الثقة في زمن ابن إياس: كيف تُبنى الدولة عندما تنهار الثقة؟
- كيف تنهار الدولة عندما تتحول المصالح الشخصية والمال إلى أساس العلاقات بين السلطان والأمراء، وبين القضاة والتجار، وبين الجنود والمجتمع، وما الدور الذي تلعبه الثقة في الحفاظ على استقرار الدولة أو انهيارها؟
- إلى أي مدى يمكن للعدالة والقضاء أن يكونا سلعة تُشترى وتُباع، وكيف تؤثر هشاشة الثقة بين السلطة والشعب على شبكة الولاءات والمصالح التي تُبني عليها الدولة؟
- كيف ينعكس انهيار الثقة بين الطبقات الاجتماعية – من الحكام والفقهاء إلى التجار والعمال والفقراء – على الاقتصاد، المعرفة، والتاريخ نفسه، وهل يمكن لمجتمع يفتقد الثقة أن يحافظ على أي شكل من أشكال الدولة؟
![]() |
| الصورة توضح الحياة الاجتماعية في انيهار الثقة |
ولذلك، كان السؤال المحوري في هذا المقال: كيف كانت الثقة تُبنى في عصر المماليك؟ وكيف تنهار؟ وما الذي يجعل “شاهد العيان” يكتب التاريخ كما يراه، وليس كما ينبغي أن يكون؟
1. الثقة كقيمة سياسية قبل أن تكون قيمة أخلاقية
في أي نظام سياسي، الثقة هي “العملة” التي تُدفع بها الالتزامات وتُقاس بها الولاءات. في عصر المماليك، كانت الدولة قائمة على شبكة معقدة من الولاءات: بين السلطان والأمراء، وبين الأمراء والجنود، وبين القضاة والناس، وبين التجار والسلطة. وكل هذه العلاقات كانت تقوم على عنصر مشترك: الثقة.
لكن الثقة في ذلك الزمن لم تكن تُبنى على مؤسسات مستقرة كما في الدول الحديثة، بل على السمعة الشخصية، ومصداقية الخطاب، وقوة السند. ولذلك، عندما يذكر ابن إياس أن “الناس لم يثقوا في بعضهم”، فهو لا يصف مجرد ظاهرة اجتماعية، بل يصف انهيارًا في بنية الدولة نفسها.[1]
2. الثقة بين السلطان والأمراء: دولة أم شبكة مصالح؟
أكبر اختبار للثقة في عصر المماليك كان في العلاقة بين السلطان والأمراء. الدولة في هذا العصر لم تكن دولة مؤسسات، بل دولة أشخاص. والسلطان لا يحكم إلا بقبول الأمراء، والأمراء لا يبقون إلا بقدرة السلطان على تلبية مصالحهم أو تهديدهم.
هنا تتضح هشاشة الثقة: عندما تكون السلطة قائمة على المصالح المتبادلة فقط، تصبح الثقة قابلة للانهيار بمجرد تغير الظروف. وهذا ما يلاحظه ابن إياس في كثير من رواياته، حين يصف التوتر بين الأمراء، واندفاعهم إلى الخيانة أو الانقلاب، أو حتى الاستنجاد بالسلطان ضد بعضهم البعض.[2]
في هذا السياق، يتجلى جوهران في قراءة ابن إياس: أولًا: الدولة ليست مؤسسة مستقرة، بل “مجموعة” من القوى المتصارعة. ثانيًا: الثقة لا تُبنى إلا إذا كانت هناك رؤية مشتركة للسلطة، وإلا فإنها تتحول إلى “تبادل مصالح” لا أكثر.
3. الثقة بين القضاة والناس:
هل كانت العدالة حقيقية أم مجرد صورة؟
الثقة بين القضاة والناس هي علامة صحة الدولة، لأن القاضي هو وجه العدالة أمام المجتمع. في “بدائع الزهور”، يخصص ابن إياس مساحة واسعة للقضاة والفقهاء، ليس فقط لأنهم يمثلون المؤسسة الدينية، بل لأنهم يمثلون مبدأ الثقة في الحكم.
لكن ابن إياس لا يصف القضاة كفئة محترمة فحسب، بل يذكر أيضًا القضاة الذين استغلوا منصبهم، وأصبح القضاء “قابلاً للشراء”، أو تحولت الفتاوى إلى أدوات سياسية. وعندما تنهار ثقة الناس في القضاء، فإنهم يفقدون الثقة في الدولة كلها.[3]
ومن هنا، فإن قراءة ابن إياس للسلطة لا تقتصر على السياسة، بل تمتد إلى الشرعية الأخلاقية التي تُمنح للدولة من خلال العدالة.
4. الثقة بين التجار والسلطة: الاقتصاد كمرآة للثقة
الثقة في الاقتصاد هي أساس أي نظام تجاري. إذا كان التجار لا يثقون في الدولة، فإنهم لا يثقون في العملات، ولا في العقود، ولا في الأمن. في “بدائع الزهور”، يظهر التجار في صور متعددة: بعضهم ثري قوي، وبعضهم فقير مضطهد، وبعضهم محتال. لكن الأهم أن ابن إياس يوضح كيف كانت الدولة تتحكم في التجارة عبر الضرائب والجبايات والاحتكار.
وهنا تظهر مشكلة الثقة: إذا كانت الدولة تستولي على الثروة دون أن توفر حماية أو عدالة، فإن التجار يتحولون إلى “شركاء قسريين” أو “أعداء للدولة”. وهذا يجعل الاقتصاد في عصر المماليك ساحة لصراع الثقة.[4]
5. الثقة بين الجنود والسلطة: من يبني الدولة؟
الجنود في عصر المماليك هم العمود الفقري للدولة، لكنهم ليسوا جنودًا مؤسساتيين، بل فئة سياسية قوية. والثقة بين الجنود والسلطان ليست ثقة بين مواطن وحاكم، بل ثقة بين قوة عسكرية وقائد سياسي. وإذا تزعزعت هذه الثقة، فإن الدولة تنهار بسرعة.
وهنا تكمن إحدى معضلات عصر ابن إياس: كيف تبني دولة على جيش لا يثق إلا في مصلحته؟ هذا السؤال هو جوهر العديد من الأحداث التي يرويها ابن إياس، من انقلابات وصراعات وتنافس على المناصب.[5]
6. الثقة بين الناس: عندما تصبح الشائعات هي الحقيقة
أحد أعمق ما يميز زمن ابن إياس هو أن المجتمع كان يسير على الشائعات بقدر ما يسير على الحقائق. فالخبر ينتشر في الأسواق والمجالس، ويُصبح جزءًا من الوعي الجماعي، حتى لو لم يكن صحيحًا.
وهنا تتضح خطورة انهيار الثقة في المجتمع: عندما يفقد المجتمع الثقة في مصادر المعرفة الرسمية، فإنه يبدأ في بناء “حقيقة بديلة” عبر الشائعات. في ذلك الزمن، لم تكن المعرفة مؤسسة واحدة، بل عدة مصادر متنافسة: الخطاب الديني، والأدب، والقصص الشعبية، والفتاوى، والأخبار السياسية.[6]
7. الثقة بين الفقراء والأغنياء: تفاوت الثقة
الثقة في المجتمع لا تُقاس فقط بالعلاقات السياسية، بل أيضًا بالعلاقات الاجتماعية. الفقراء كانوا يعيشون في حالة من الترقب والخوف، لأنهم لا يملكون حماية ولا قدرة على الاعتراض. أما الأغنياء، فهم غالبًا ما يملكون النفوذ والسلطة.
وهنا تتبدى مشكلة الثقة: عندما يكون الفقر شرطًا أساسيًا لعدم الثقة، فإن المجتمع يصبح هشًا. في “بدائع الزهور”، يصف ابن إياس العديد من القصص التي تظهر فيها الفجوة بين الطبقات، والتي تُترجم إلى تفاوت في الثقة: الفقراء لا يثقون في الدولة لأنها لا تحميهم، والأغنياء لا يثقون فيها لأنها قد تبتزهم أو تستغلهم.[7]
8. الثقة بين العبيد والحرية: دولة مبنية على العبيد لا يمكنها أن تكون ثقة
العبيد في عصر المماليك ليسوا مجرد أداة عمل، بل جزء من نظام السلطة نفسه. فالمماليك كانوا في الأصل عبيدًا أصبحوا أمراء، وهذا يعني أن النظام السياسي كله يقوم على علاقة استعباد. وهنا يصعب أن تُبنى دولة على الثقة إذا كانت أساسًا تقوم على القهر.
ومن هنا يلاحظ ابن إياس أن العديد من الأحداث التاريخية كانت نتيجة لتوترات داخل هذا النظام: العبيد الذين أصبحوا أمراء، والأمراء الذين يسيطرون على العبيد، والسلطان الذي يخشى من قوة جنوده. كل ذلك يخلق “ثقة مشوهة” أو “ثقة مفروضة” لا تُبنى على العدالة.[8]
9. الثقة في المعرفة: الفقهاء والكتب والمدارس
الثقة ليست مجرد علاقة بين الناس، بل علاقة بين الناس والمعرفة. في عصر ابن إياس، كانت المعرفة تُنقل عبر المدارس والكتاتيب، وكان الفقهاء من يحددون “المعنى الصحيح” للدين والشرع. لكن ابن إياس يذكر أيضًا أن هناك فرقًا بين الفقهاء الصادقين وبين من يكتب لغايات سياسية أو شخصية.
إذا كانت المعرفة سلعة تُباع وتُشترى، فإن الثقة في الفقهاء تتآكل، وتصبح الشريعة أداة سياسية. وهذا ما يميز جزءًا كبيرًا من “بدائع الزهور”، إذ أن ابن إياس يروي وقائع تُظهر أن الفقهاء لم يكونوا دائمًا مستقلين، بل كانوا جزءًا من منظومة السلطة.[9]
10. الثقة في التاريخ: لماذا يكتب ابن إياس كما يكتب؟
أخيرًا، نصل إلى جوهر السؤال:
لماذا يكتب ابن إياس التاريخ بهذه الطريقة؟ لماذا يصف الناس كما يصفهم؟
الجواب يكمن في الثقة نفسها: ابن إياس ليس مجرد مؤرخ يسجل أحداثًا، بل هو “شاهد عيان” يكتب التاريخ من منظور ثقة معينة. الثقة التي يملكها في رواة الأخبار، وفي مصادره، وفي فهمه للواقع، هي التي تشكل تاريخًا محددًا. وإذا فقدت الثقة في مصدر ما، فإن التاريخ يصبح مختلفًا.
وهذا هو التحدي الأكبر في قراءة ابن إياس: أن نفهم أنه يكتب تاريخًا “مؤسّسًا على الثقة” وليس تاريخًا “محايدًا” بالمعنى الحديث. وهذا لا يقلل من قيمته، بل يوضح أن التاريخ ليس مجرد وقائع، بل هو أيضًا “علاقة بين الكاتب والواقع”.
الخلاصة
عندما نقرأ “بدائع الزهور” من منظور الثقة، ندرك أن ابن إياس لا يكتب عن الأحداث فقط، بل عن شبكة الثقة التي تحكم المجتمع. الدولة في عصره ليست مؤسسة مستقرة، بل شبكة من علاقات الولاء والمصلحة والسمعة. وعندما تنهار الثقة في القضاء أو في التجارة أو في السلطة أو في المعرفة، تنهار الدولة كلها.
وهكذا، يصبح السؤال المركزي في فهم عصر المماليك: كيف تُبنى الثقة؟ وكيف تنهار؟ في زمن ابن إياس، كانت الإجابة واحدة: الدولة التي تُبنى على المصالح لا على الثقة، هي دولة بلا ثقة… ودولة بلا ثقة لا تستمر.
المراجع
- محمد بن إياس، بدائع الزهور في وقائع الدهور (الجزء المتعلق بالصراعات السلطانية والقضاة والتجار والجنود).
- أحمد زكي، تاريخ الدولة المملوكية (الجزء الأول والثاني).
- ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة.
- عبد الرحمن الرافعي، الدولة المملوكية في مصر.
- كريستوفر بلاند، The Mamluks (موسوعة ودراسة عن المجتمع المملوكي).
- هارفي (Harvey)، The Mamluk Empire (دراسة تاريخية عن الدولة المملوكية).
- أحمد توفيق، المماليك: دولة الجند.

تعليقات
إرسال تعليق