وجوه الفيوم .. تاريخ وفن وجماليات البورتريه في مصر الرومانية

  وجوه الفيوم .. تاريخ وفن وجماليات البورتريه في مصر الرومانية 

بقلم عصام وهبه 

1. لمحة تاريخية عامة

ظهرت وجوه الفيوم في مصر الرومانية، بين القرن الأول الميلادي والقرن الرابع الميلادي، خلال الحكم الروماني لمصر بعد يوليوس قيصر وأغسطس. كانت تُثبت هذه الوجوه على المومياوات كبديل للأقنعة الذهبية التقليدية، لتوثّق ملامح المتوفى بطريقة واقعية [1]. أُكتشفت غالبية هذه اللوحات في صحراء الفيوم، حيث ساعد الجفاف على حفظها على الخشب والكتان حتى يومنا هذا [2].

2. التقنية والأسلوب الفني

- الوسائط: اللوحات غالبًا ما استخدمت تقنية الأنكوستيك (دمج الألوان بالشمع الساخن) أو التمبرا على الخشب أو القماش.
- الألوان: طبيعية مستخرجة من المعادن والنباتات، مع التركيز على الواقعية في البشرة، الشعر، والعيون.
- أسلوب الرسم: دمج بين الواقعية الرومانية (التفاصيل الدقيقة، التجاعيد، تعابير الوجه) والرمزية المصرية (العيون الكبيرة، استقرار الوجه، وهدوء التعبير) [3].

3. الجماليات والفلسفة الفنية

تركّز وجوه الفيوم على إظهار الشخصية الفردية، بما في ذلك العمر والتعبيرات وحتى العيوب الطفيفة، وهو اختلاف واضح عن النحت الإغريقي الكلاسيكي الذي يميل إلى المثالية [4]. الفلسفة الكامنة في هذا الفن هي الخلود عبر التوثيق الواقعي للحياة، حيث يصبح البورتريه جسرًا بين الحياة والموت، جامعًا بين الوظيفة الجنائزية والقيمة الجمالية. كما يشير ثروت عكاشة في دراسته عن الفن المصري القديم إلى أن الفن المصري التقليدي كان يركز على الرمزية والثبات والتوازن، بينما وجوه الفيوم تمثل مرحلة انتقالية تجمع الرمزية المصرية مع الواقعية الرومانية [10].

4. البعد الاجتماعي والثقافي

- معظم الأشخاص كانوا من الطبقة الثرية أو المتوسطة: تجار، موظفون، جنود رومانيون مقيمون.
- اللوحات تكشف عن الملابس، المجوهرات، والرموز الثقافية، وهو ما يوضح الطبقة الاجتماعية والهوية الفردية [6].
- تعكس الواقعية في الفن التنوع العرقي والثقافي بين المصريين الأصليين، الهيلينيين، والرومان [7].

5. الأصل العرقي: مصريون، إغريق، أم رومان؟

- تظهر اللوحات مزيجًا عرقيًا متنوعًا: بعض الأشخاص مصرين أصليين, آخرون يحملون سمات هيلينية/يونانية, وهناك عناصر رومانية واضحة في الملابس وتسريحات الشعر.
- الفن يعكس مجتمعًا متنوعًا ثقافيًا تحت الحكم الروماني [8].

6. الغرض والفائدة من هذا الفن

- وظيفة جننائزية

تثبيت صورة المتوفى على المومياء لضمان خلود هويته بعد الموت.
- توثيق اجتماعي وتاريخي
يقدم معلومات عن الطبقات الاجتماعية، الهويات العرقية، والملابس والفن الشعبي.

- الجمال والفلسفة:

 دمج الواقعية الفردية مع الرمزية، ليصبح الفن معبّرًا عن الإنسانية والتنوع الثقافي في مصر القديمة [9].

صور وجوه الفيوم

لوحة مومياء من الفيوم تصور امرأة من مصر الرومانية برأس وجذع أمامي مُفصلة بعيون معبرة وحياة محسوسة.
 لوحة فيوم رائعة مرسومة بالتمبرا على كتان خشبي تظهر المرأة ممسكة بزجاجة عطر، وتُظهر الواقعية الفنية التي ميزت فن الفيوم
مصدر الصورة : Wikimedia Commons – Public domain

الوصف الفني والتقني:

اللوحة مرسومة بأسلوب التمبرا على لوح خشبي، مع دقة عالية في رسم الوجه والعيون، ما يمنح الصورة واقعية وحيوية، مع الحفاظ على تدرجات لونية طبيعية وتفاصيل دقيقة للملامح.

ألوان التمبرا (Tempera Paints):

ألوان التمبرا هي تقنية رسم قديمة تعتمد على خلط أصباغ معدنية أو نباتية دقيقة مع مادة رابطة، غالبًا ما تكون بياض البيض، لتثبيت اللون على اللوح أو القماش. تُعرف هذه التقنية بقدرتها على إنتاج ألوان مشرقة وثابتة مع مرور الزمن، كما تسمح بتفاصيل دقيقة في رسم الملامح والملابس والعيون. المواد الخام الأساسية تشمل:

  • بياض البيض: يعمل كمادة رابطة تعطي ثباتًا للون وملمسًا حريريًا.

  • الأصباغ الطبيعية أو المعدنية: مثل أوكسيدات الحديد (أحمر، أصفر، بني)، كبريتات النحاس (أخضر)، كربونات الكالسيوم لتفتيح اللون. ( اكسيد التيتانيوم )

  • الماء: لتخفيف الصباغ وتسهيل التوزيع على اللوح.

  • طبقة الأساس (Ground): غالبًا لوح خشبي مغطى بطبقة من الجبس أو غراء الأرنيكا (gesso) لتسوية السطح وجعل اللون يلتصق جيدًا.

  • مواد مانعة للعفن : مثل الشبة والخل حاليا 

تُستخدم هذه التقنية منذ العصور المصرية القديمة وحتى العصر الروماني والبيزنطي، وهي معروفة بقدرتها على إظهار التفاصيل الدقيقة والتدرجات اللونية الهادئة، مثلما يظهر في لوحات مومياءات الفيوم.

ملحوظة : 

مازالت هذه التقنية تستخدم حتي يومنا في رسم الايقونات القبطية :

 أسلوب تنفيذ الأيقونات القبطية: 

تبدأ العملية بشد قطعة من القماش على اللوح الخشبي، ثم تُغطى بطبقة من الجبس أو الإسبيداج المخلوط بالماء والغراء لتسوية السطح. بعد ذلك تُطبق ألوان التمبرا، بدءًا من الألوان القاتمة إلى الألوان الفاتحة، مع التركيز على التفاصيل الدقيقة للملامح والملابس والعينين، ما يمنح اللوحة عمقًا وواقعية ضمن أسلوب الأيقونة التقليدي.

 المراجع

  1. P. J. S. Johnson, Fayum Portraits, The Metropolitan Museum of Art, 1989.
  2. C. B. Cosgrove, Egyptian Portraits, British Museum, 2004.
  3. B. J. Rees, Painting the Dead: Fayum Mummy Portraits, 1997.
  4. S. Walker, Death and the Afterlife in Roman Egypt, 2000.
  5. R. J. Taylor, Mummy Portraits of Roman Egypt, 2002.
  6. M. Bierbrier, Portraits of the Dead in Roman Egypt, 2000.
  7. F. Cumont, Studies in Roman Egypt, 1912.
  8. J. R. Clarke, Art in the Age of the Caesars, 1991.
  9. R. Bowman, The Arts of Roman Egypt, 1999.
  10. ثروت عكاشة، الفن المصري القديم – الجزء الثالث: التقاليد والجماليات، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1980.
تعليقات