السادات وطمس الهوية المصرية
بقلم عصام وهبة
مقدمة: حين لا يُقتل الوطن بالسلاح بل بالمعنى
ليست أخطر لحظات التاريخ تلك التي تُهزم فيها الجيوش أو تُحتل العواصم، بل تلك التي يُعاد فيها تشكيل وعي الناس دون أن ينتبهوا. فالهزيمة العسكرية يمكن ترميمها، والاحتلال يمكن مقاومته، أما طمس الهوية فغالبًا ما يتم بهدوء، تحت شعارات الإصلاح، وباسم الواقعية السياسية، وبأدوات تبدو في ظاهرها مؤقتة لكنها في جوهرها بنيوية.
من هذا المنظور، لا يُقرأ عهد أنور السادات بوصفه مجرد مرحلة سياسية انتقلت فيها مصر من الاشتراكية إلى الانفتاح، أو من الصراع إلى السلام، بل بوصفه لحظة كسر معرفي أعادت تعريف ما هو ممكن، وما هو مسموح، وما هو مشروع في المجال العام. لم يكن الخطر في قرار واحد، ولا في تحالف بعينه، بل في تفكيك الإطار الذي كانت تُنتَج داخله الهوية المصرية الحديثة منذ القرن التاسع عشر.
![]() |
"صورة
أرشيفية لأنور ا من Wikimedia
Commons (Public Domain)." |
هذا النص لا يُدين السادات أخلاقيًا، ولا ينفي دوره في حرب 1973، ولا يستعيد لغة التخوين. إنه محاولة لفهم كيف انتقلت مصر، في عقد واحد، من دولة تسعى – مهما أخطأت – إلى إنتاج معنى جامع، إلى دولة تركت المجال العام بلا سردية، فملأه التيار الراديكالي والدين المُسيَّس والاقتصاد الريعي، لا بوصفهم بدائل واعية، بل بوصفهم فراغًا تمدّد.
أولًا: السادات كنقطة كسر لا كشخص
التاريخ لا يُصنع بالأفراد وحدهم، لكنه أحيانًا يتكثف في شخص واحد. والسادات ليس استثناءً. خطورته لا تكمن في كونه رئيسًا مختلفًا عن عبد الناصر، بل في كونه الرئيس الذي أدار ظهره لفكرة الهوية ذاتها. لم يسعَ إلى إعادة تعريف المشروع الوطني، بل إلى تعطيله، ظنًا أن المجتمع يمكن أن يستمر بلا إطار جامع، وأن التناقضات يمكن إدارتها بالأمن والتحالفات الظرفية.
في هذا السياق، لم تكن تصفية التيار اليساري والشيوعي مجرد صراع سياسي على السلطة، بل ضربة في صميم البنية التي تنتج التعدد. فاليسار، مهما اختلفنا معه، كان يحمل لغة تفسير للعالم: اقتصاد، تاريخ، صراع اجتماعي، معنى للعدالة. بإقصائه، لم يُفتح المجال لتيار فكري بديل، بل تُرك المجتمع بلا أدوات فهم.
وهنا تبدأ المأساة.
ثانيًا: من السياسة إلى الأخلاق – أسيوط نموذجًا
في منتصف السبعينيات، لم يكن السماح للجماعات الإسلامية بالنشاط داخل الجامعات – خصوصًا في أسيوط – قرارًا دينيًا، بل أمنيًا بامتياز. الدولة لم ترَ في هذه الجماعات مشروعًا، بل أداة. أداة لضرب اليسار، لإفراغ الجامعات من السياسة، لتحويل الصراع من سؤال اجتماعي إلى معركة أخلاقية.
لكن الأخلاق، حين تُفصل عن السياسة، لا تُنتج فضيلة، بل تُنتج تطرفًا. فالسؤال الأخلاقي بطبيعته مطلق، لا يقبل التعدد ولا التفاوض. وهكذا، تحوّلت الجامعة من فضاء للنقاش إلى ساحة للاستقطاب، ومن مصنع للنخب إلى مختبر للراديكالية.
لم تُزرع الجماعات لتكون جهادية، لكنها نشأت في فراغ فكري، بلا دولة راعية للالمعنى، وبلا مجتمع مدني قادر على الاحتواء. ومع الوقت، لم يعد أحد قادرًا على السيطرة عليها، لا الدولة التي صنعت المناخ، ولا المجتمع الذي فُككت أدواته النقدية.
ثالثًا: الإسكندرية – من التعدد إلى النمط الواحد
الإسكندرية ليست مدينة عادية في التاريخ المصري. كانت، لعقود، مختبرًا للتعدد: لغات، طوائف، ثقافات، أنماط حياة. لم تُدمَّر هذه التعددية بقرار مباشر، بل بتآكل بطيء. حين انسحبت الدولة من دورها الثقافي، وحين غابت السياسة، وحين تحوّل الاقتصاد إلى وسيط استهلاكي، وجد الخطاب الديني البسيط طريقه إلى الفراغ.
السلفية الدعوية لم تنشأ كحركة عنف، بل كخطاب يقيني في مجتمع فقد يقينه. لكنها، بحكم بنيتها، لا تعترف بالتاريخ ولا بالتحول، بل تقدم نموذجًا واحدًا للحياة. وهكذا، انتقلت المدينة من قبول الاختلاف إلى إدارة الاختلاف أخلاقيًا، وهي أخطر مراحل التدهور الثقافي.
رابعًا: عثمان أحمد عثمان والفهلوة كنظام
ليس عثمان أحمد عثمان مجرد رجل أعمال ناجح، بل رمز لتحول أعمق. في عهده، لم يعد النموذج هو المهندس أو المفكر أو الموظف العام، بل الوسيط: من يعرف من؟ ومن يدخل من؟ ومن يخرج الصفقة؟
الانفتاح اقتصاديًا لم يُبنَ على إعادة هيكلة الصناعة، ولا على تطوير التعليم التقني، بل على فتح السوق بلا حماية، وبلا زمن. الصناعة تحتاج صبرًا، بينما الفهلوة تعيش على اللحظة. وهكذا، تراجعت المؤسسة الصناعية، لا لأنها فشلت تقنيًا، بل لأنها لم تعد جزءًا من الخيال الوطني.
تحوّل المصري من منتج إلى سمسار، ومن عامل إلى وسيط، ومن مواطن إلى فرد يبحث عن فرصة. وهذه ليست أزمة اقتصاد فقط، بل أزمة هوية.
خامسًا: حرب 1973 – البطولة التي لم تُستثمر
لا يمكن إنكار أن حرب أكتوبر أعادت للجيش المصري كرامته، وأعادت للمجتمع ثقته بنفسه. لكن الحرب، وحدها، لا تصنع هوية. الهوية تحتاج مشروعًا لما بعد النصر. والسادات، بدل أن يبني على لحظة الإجماع، فككها.
تم تحويل النصر إلى ورقة تفاوض، لا إلى سردية جامعة. ومع غياب المشروع، عاد المجتمع إلى انقساماته، لكن هذه المرة بلا لغة مشتركة.
خاتمة: الهوية التي لم تُقتل بل تُركت
لم تُقتل الهوية المصرية في عهد السادات، لكنها تُركت بلا حماية. تُركت للسوق، وللوعظ، وللبراغماتية، وللصدفة. ومع الوقت، ملأ التيار الراديكالي الفراغ، لا لأنه الأقوى، بل لأنه الوحيد الذي قدّم إجابة – ولو كانت إجابة خاطئة.
إعادة بناء الهوية ليست مهمة سياسية فقط، بل معرفية وأخلاقية وثقافية. وهي مهمة أصعب بكثير من إصلاح الاقتصاد أو تغيير السياسات. فالدولة يمكن أن تُغيّر قوانينها، لكن المجتمع لا يغيّر وعيه إلا عبر زمن طويل، ومشروع واضح، وإيمان بالتعدد بوصفه قوة لا تهديدًا.
هذا هو الدرس الأعمق لمرحلة السادات: أن أخطر ما يمكن أن تفعله السلطة ليس أن تقمع، بل أن تنسحب من إنتاج المعنى.

تعليقات
إرسال تعليق