ثروت عكاشه حين أصبحت الثقافة مشروع دولة

 

 ثروت عكاشة…حين أصبحت الثقافة مشروع دولة

بقلم: عصام وهبة


لوحة جدارية فنية تجسد رموز الهوية الثقافية المصرية مثل الأهرام وقناع المسرح في تكوين بصري واحد.
عمل جداري يعبر عن تلاقي التراث المصري القديم مع الفنون والثقافة المعاصرة.

نختلف أو نتفق مع ثروت عكاشة، ومع موقعه في الدولة، ومع السياق السياسي الذي تحرك داخله، لكننا حين نكتب عنه لا نكتب في باب المواقف، بل في باب
تاريخ الثقافة في مصر الحديثة. فثروت عكاشة ليس مجرد شخصية، بل تجربة مؤسسية حاولت أن تجعل الثقافة جزءًا من المشروع الوطني، لا من الترف أو النخبوية.

إننا لا نكتب عن عكاشة كوزير أو ككاتب فقط، بل نكتب عن مخطط للذائقة العامة، وعن فكرة أن الثقافة حق عام وليس امتيازًا.

1. من هو ثروت عكاشة؟

ولد ثروت عكاشة عام 1921، وتكوّن في بيئة عسكرية، لكنه انتقل من “الوظيفة” إلى “الرؤية”. في مرحلة ما بعد الثورة، ظهر نموذج جديد داخل الدولة: المثقف الإداري الذي لا يكتب من خارج السلطة، بل يعمل داخلها، ويؤثر في بنائها.

عكاشة كان من أبرز هذا النموذج، لأنه تعامل مع الثقافة باعتبارها بنية طويلة المدى.

حضوره كان مؤسساتيًا عبر:
• وزارة الثقافة
• المجلس الأعلى للفنون والآداب
• قصور الثقافة
• مؤسسة السينما
• المعاهد الأكاديمية

2. ثروت عكاشة بين الثقافة والسلطة

الخطأ الشائع عند الحديث عن عكاشة أن يتم اختزاله في كونه “وزيرًا” أو “مؤسّسًا”، بينما الواقع أنه كان حلقة وسط بين:

الدولة (بأجهزتها وبنيتها) المثقف (بقدراته ومعرفته) الجمهور (باحتياجه للتثقيف)

هو لم يكتب “أيديولوجيا” واضحة، لكنه كتب ممارسة: كيف يمكن للثقافة أن تنتقل من النخبة إلى العامة، وكيف يمكن للدولة أن تكون راعية لهذا الانتقال.

3. مؤلفاته: مشروع معرفي لا مكتبة شخصية

إن تعدد مؤلفات ثروت عكاشة ليس مجرد إنتاج فكري، بل هو خريطة مشروع. أهم أعماله:

3.1 الفن المصري (3 أجزاء)

هو المشروع المركزي، ليس لأنه “كتاب آثار”، بل لأنه:
• قراءة للفن المصري القديم بوصفه لغة حضارية
• محاولة لإعادة إدخال المصري المعاصر إلى تاريخه البصري
• دفاع عن الهوية البصرية المصرية

في مقدمة هذا العمل تظهر عبارة لافتة: “العين تسمع والأذن ترى” وهي ليست عنوان كتاب، بل مفتاح فهم: أن الذائقة ليست فطرية، بل مكتسبة، وأن الحواس ليست منفصلة عن الوعي.

3.2 فن الواسطي

دراسة للفن الإسلامي السردي، ويعيد اعتباره كخطاب، لا كزخرفة. هذا يربط عكاشة بفكرة أن الثقافة ليست “زينة”، بل “نص”.

3.3 الفن الهلنستي

تأكيد على أن مصر جزء من شبكة تفاعل حضاري، وليس جزيرة مغلقة. وهذا يعكس موقفه من الهوية: لا يرفض التفاعل، بل يقرأه كجزء من البناء الحضاري.

4. “العين تسمع والأذن ترى”: ماذا تعني؟

هذه العبارة ليست استعارة بل تصور:
• الإدراك الجمالي عملية مكتسبة
• الجمهور لا يولد متذوقًا
• الذائقة تُصنع عبر التعليم والممارسة

وبالتالي، الثقافة ليست مجرد “إمتاع”، بل تربية. وهذا هو جوهر مشروعه: أن الثقافة حق عام، لا امتياز نخبوية.

5. تأسيس المشروع الثقافي الكبير: قصور الثقافة

قصور الثقافة ليست مبانٍ فقط، بل فكرة:
• نقل الثقافة إلى الأقاليم
• جعل الفن قريبًا من المواطن
• بناء جمهور وليس مجرد نخبة

قصور الثقافة كانت “حربًا على الجغرافيا الثقافية”: هي رفض لكون الثقافة مدينة مركزية، وأنها تظل غربية على الريف.

6. مؤسسة السينما: الشاشة كفضاء تربوي

مؤسسة السينما لم تكن مجرد جهة إنتاج، بل جزء من مشروع الدولة لبناء الذائقة. في ستينيات القرن الماضي، كانت السينما أداة للوصول إلى جمهور واسع، وبناء وعي بصري جديد.

السينما هنا ليست ترفًا، بل:
• تعليم بصري
• تربية حسية
• وسيلة لتشكيل الوعي الجمعي

7. البعثات الثقافية: نقل الخبرة وبناء الكفاءات

لم تكن البعثات “أرقامًا” أو “قائمة أسماء”، بل:
• جزء من نظام تدريب مؤسسي
• نقل خبرات
• تطوير مخرجين وفنانين وفنيين
• بناء كوادر قادرة على العمل داخل المؤسسات

وهذا يوضح أن مشروع عكاشة كان “مؤسسيًا” وليس فرديًا.

8. الأجيال التي تربت في قصور الثقافة

في هذا المشروع نشأت أجيال كاملة:
• قرأوا المسرح
• شاهدوا الأفلام
• تعرفوا على الموسيقى
• وبدأت لديهم فكرة أن الثقافة ليست “رفاهية” بل حق

هذه الأجيال ليست “جيلًا مثاليًا”، لكنها جيل تربى داخل مؤسسة.

خاتمة: ما الذي بقي من مشروع عكاشة؟

الشيء الأكثر أهمية في تجربة عكاشة أنها:
• أثبتت أن الدولة تستطيع أن تخلق جمهورًا
• وأن الثقافة ليست مجرد “سوق”
• وأن الذائقة تُصنع عبر التعليم والتجربة

لكن المشروع أيضًا عانى من:
• تغيّر الأولويات
• تحوّل التمويل
• وتراجع المؤسسات

وهذا يجعل العودة إلى تجربة عكاشة ليست حنينًا، بل بحثًا عن نموذج.

تعليقات