دراسة في تكوين الهوية
بقلم: عصام وهبه
المقدمة التمهيدية
تندرج هذه الدراسة ضمن مشروع بحثي ممتد بعنوان «تكوين الهوية»، يهدف إلى تحليل لحظات التأسيس الكبرى التي تشكّلت فيها الهويات الدينية والاجتماعية في الشرق الأدنى القديم، بوصفها نتاجًا لتفاعل معقّد بين الذاكرة، والقطيعة، والوعد، والتحول من الانتماء العشائري إلى الوعي المعياري. ولا تتعامل الدراسة مع النصوص الدينية باعتبارها خطابًا لاهوتيًا فحسب، بل بوصفها وثائق ثقافية–أنثروبولوجية تعكس تحولات الذهنية الجمعية في سياقات تاريخية محددة.
يركّز المبحث الأول من هذا المشروع على لحظة الخروج الأول لإبراهيم، لا باعتبارها حدثًا جغرافيًا أو سرديًا معزولًا، بل بوصفها فعل قطيعة تأسيسية أسهمت في إعادة تعريف العلاقة بين الفرد، والعشيرة، والمقدّس، وذلك في ضوء معطيات العصر البرونزي الوسيط ونصوص سفر التكوين والدراسات النقدية الحديثة.
تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن الهوية كانت حاضرة في الذهنية قبل التأسيس النصي، عبر بقايا تقليد ديني أخلاقي سابق على التشريع، تشير إليه النصوص ضمنيًا، مثل شخصية ملكي صادق، بما يسمح بقراءة الخروج الإبراهيمي بوصفه انتقالًا من الامتثال العشائري إلى علاقة معيارية قائمة على العهد والوعد اللفظي.
تلتزم هذه الدراسة بالمنهج التحليلي المقارن، مع توظيف التوثيق الأكاديمي الحديث، والتمييز الصارم بين النص، والتفسير، والاستنتاج، دون إخضاع المادة لأي قراءة عقدية مسبقة، ويأتي هذا المبحث مدخلًا تأسيسيًا لبقية مباحث المشروع.
الظروف الدافعة للخروج: دوافع القطيعة وبروز الهوية
1. المفترض العقلي للقطيعة
إن دراسة الخروج الأول لإبراهيم (إبرام) تستلزم البحث عن دوافع يمكن للعقل استيعابها. لا يقتصر الأمر على الحركة الجغرافية، بل يشمل اختيارًا واعيًا بالابتعاد عن النظام الاجتماعي والديني القائم في أور. تشير النصوص إلى أن الهجرة لم تكن عشوائية أو قسرية، بل كانت مدفوعة بـ:
- الرغبة في الالتزام بما يُنذر به وعد إبراهيم (Genesis 12:1–3) [1]
- توقع مستقبل مختلف عن الواقع القائم، يرتبط بإرادة عليا مفترضة
- تحوّل في الذهنية الجماعية نحو وعي مسبق بهوية جديدة تتجاوز الانتماء المديني والعشائري
2. الخط النبوي من آدم إلى إبراهيم
تتيح قراءة النصوص القديمة، خاصة سفر التكوين، تتبّع الخط الزمني للفردانية الدينية من آدم حتى إبراهيم:
- آدم: إدراك أول للذات أمام الخالق ووعي بالمسؤولية الأخلاقية
- نوح: توثيق علاقة العائلة بمفهوم العهد واستمرار السرد الحضاري رغم الكوارث (Genesis 6–9) [2]
- أخنوخ البار: نموذج للوعي الديني المستقل والارتباط بالقداسة (Genesis 5:21–24) [3]
- إبراهيم (إبرام): يمثل نقلة نوعية؛ حيث يصبح الالتزام بالعبادة الفردية والقطيعة عن المجتمع الوثني أساسًا لتأسيس الهوية الجماعية المستقبلية
3. الوعي بالهوية قبل التأسيس
يمكن استنتاج وجود وعي ابتدائي بالتميز والاختيار الديني من خلال النصوص التالية:
- التركيز على العبادة الفردية لله الواحد في مواجهة الطقوس الوثنية
- الإشارة إلى شخصيات تمسكوا بالعبادة، أبرزهم ملكي صادق (Genesis 14:18–20) [4] الذي يمثل نموذجًا لوعي ديني مستقل
4. العلاقة بين وعد إبراهيم وبروز الهوية
الوعد المقدم لإبراهيم لم يكن مجرد وعد بمكان أو نسل، بل كان إطارًا لتكوين هوية جماعية جديدة. النصوص تشير إلى أن هذا الوعد خلق إدراكًا بالاختلاف الواعي عن الأصل: ترك أور لم يكن هروبًا، بل تمكين للهوية في ضوء العهد.
أور الكلدانيين كبيئة نشأة حضارية
تشير النصوص التوراتية (سفر التكوين 11:31) إلى أن الخروج تمّ من أور الكلدانيين، وهو ما قرأه عدد من المؤرخين بوصفه دليلًا على أن أور كانت موطن النشأة الأصلية للعائلة والعشيرة، لا مجرد نقطة عبور. وتؤكد الاكتشافات الأثرية التي قادها ليونارد وولي في عشرينيات القرن العشرين أن أور كانت مدينة حضرية متقدمة، ذات:
- اقتصاد زراعي–تجاري منظم
- بنية قانونية وعقودية
- طبقات اجتماعية واضحة
- مؤسسات دينية مركزية (المعبد، الكهنوت)
البنية الاجتماعية قبل القطيعة
يصف علماء تاريخ الشرق الأدنى مجتمع أور بوصفه مجتمعًا قائمًا على العائلة الممتدة وتحكمه علاقات القرابة والمكانة والانتماء المديني، تُعرّف فيه هوية الفرد من خلال الجماعة لا الاختيار الشخصي. في هذا السياق، لا يمكن فهم الخروج إلا باعتباره انفصالًا عن نظام قرابي متجذر.
الإطار الديني لمدن الرافدين
تشير دراسات مقارنة الأديان إلى أن أور كانت جزءًا من فضاء ديني مشترك في الشرق الأدنى القديم قائم على التعدد الإلهي، عبادة الأجرام السماوية، ومركزية إله القمر (Nanna/Sîn). وقد لاحظ ميرسيا إلياده أن الديانة الرافدية لم تكن مجرد معتقد، بل نظامًا كونيًا يربط السماء بالمدينة وبالسلطة [5].
الخروج بوصفه لحظة تأسيس للهوية
تتعامل الأنثروبولوجيا الحديثة مع الهجرة التأسيسية بوصفها لحظة يُعاد فيها تعريف الانتماء، الذاكرة، والعلاقة بالمقدس. وفق هذا الإطار، يمكن قراءة الخروج الأول باعتباره انتقالًا من هوية مدينية–عشائرية إلى هوية في طور التشكل قائمة على وعد إبراهيم، الاختيار، والحركة.
من الجغرافيا إلى الذاكرة
لا تكمن أهمية الخروج الأول في الوصول إلى حرّان، بل في مغادرة أور. فالفعل المؤسِّس هو فعل المغادرة ذاته، لا الاستقرار اللاحق. وهذا ما دفع الباحثين إلى اعتبار السرد الإبراهيمي نموذجًا مبكرًا لهوية تتكوّن خارج الأرض، ثم تُعاد ربطها بالأرض لاحقًا عبر الذاكرة والنص.
خريطة مسار الخروج
Original map drawn by Essam Wahba, 2026, based on historical and textual sources (Genesis 11–12; Woolley, 1934).
الملاحظات الأكاديمية
تُظهر النصوص أن الهوية كانت موجودة قبل كتابة الأسفار. الخط النبوي الممتد من آدم إلى أيوب، مرورًا بنوح (Genesis 6–9)، أخنوخ البار (Genesis 5:21–24) وملكي صادق (Genesis 14:18–20), يشير إلى امتداد وعي فردي وجماعي قبل تدوين النصوص. يمكن تفسير أن الأحداث كتبت في أسفار موسى نتيجة الذاكرة الجماعية والوعي بالهوية، وليس كحضور مباشر للأحداث. تعديل اسم إبراهيم إلى إبرام يدل على القطيعة عن العشيرة، ويؤكد أن الاسم والنسب كانا عناصر رمزية في السرد، تساعد في الحفاظ على الهوية وتواصلها عبر الأجيال. ومن إبراهيم، تاريخ زمن إبراهيم والأسفار يُقدّر بين 2000–1900 ق.م، وفق التقديرات الأكاديمية، ويُؤرّخ لكل شخصية للتأكيد على امتداد الخط النبوي والهوية. الامتداد التاريخي للهوية يستمر لاحقًا إلى ما بعد أيوب، مؤكدًا تواصل الوعي والهويّة عبر الأجيال وربط التجربة الفردية بالمجتمع والذاكرة الدينية.
المراجع
- Leonard Woolley, Ur of the Chaldees, London, 1934.
- The Hebrew Bible, Genesis 5–14.
- Mircea Eliade, A History of Religious Ideas, Vol. 1, University of Chicago Press.
- Jan Assmann, Cultural Memory and Early Civilization, Cambridge University Press, 2011.
- Richard Elliott Friedman, Who Wrote the Bible?, HarperOne, 1987.
- Michael Coogan, The Oxford History of the Biblical World, Oxford University Press, 1998.
© 2026 Essam Wahba. All rights reserved. No part of this work may be reproduced without written permission.

تعليقات
إرسال تعليق