بقلم . عصام وهبه
- كيف تتحول الطبقات الاجتماعية – من الحاكم إلى الفقير – إلى عناصر متشابكة في شبكة الانهيار؟
- هل يمكن للقضاء والمذاهب الفقهية أن تكون أدوات للسيطرة بدلًا من أدوات للعدالة؟
- كيف يوضح ابن إياس أن الانهيار الاقتصادي والاجتماعي ليس مجرد فشل الدولة، بل تجربة حياة يومية للناس؟
![]() |
| صورة معبرة عن التكوين الاجتماعي و معاناة الشعب في نهاية الدولة المملوكية |
1) بدائع الزهور كوثيقة اجتماعية
“بدائع الزهور” ليست مجرد تاريخ سياسي، بل هي وثيقة اجتماعية تعكس ملامح المجتمع المملوكي في لحظة الانهيار. ابن إياس لا يكتب “تاريخًا للأحداث” فقط، بل يكتب “تاريخًا للناس”، فيصف الطبقات، ويعرض العلاقات بين السلطة والاقتصاد والقضاء. وفي هذا السياق، يصبح الكتاب مرجعًا لفهم التكوين الاجتماعي في نهاية الدولة المملوكية.
2) الطبقات الاجتماعية في بدائع الزهور
يمكن قراءة الطبقات الاجتماعية في “بدائع الزهور” عبر خمس طبقات رئيسية تتفاعل مع بعضها في إطار اقتصادي وسياسي واحد:
أ) طبقة الحكم: السلطان والحاشية والأمراء
طبقة الحكم تمثل مركز السلطة السياسي، لكنها في الوقت نفسه جزء من شبكة فساد مالي واقتصادي. فالحاشية والأمراء لا يظهرون كحُماة للدولة، بل كأطراف تستغل الوظائف والسلطة لتحقيق مكاسب شخصية. وفي هذا السياق، يصبح الحكم مُعطلاً، لأن السلطة تتحول إلى “تجارة” والوظائف تصبح سلعًا تُشترى وتُباع.
ب) طبقة القضاء والمحتسب
القضاء في عصر ابن إياس ليس جهازًا مستقلًا عن السلطة، بل هو جزء من منظومة السلطة الاقتصادية. القضاة والمحتسبون يتعاملون مع “المعلوم” (الرشوة) كجزء من نظام السلطة، ما يحوّل القضاء من أداة لتحقيق العدالة إلى أداة للتحكم المالي والاجتماعي. ويُظهر ابن إياس أن القضاء أصبح سوقًا، والعدالة أصبحت سلعة.
ج) طبقة العلماء والأزهر
العلماء والفقهاء في “بدائع الزهور” يظهرون في صورة مزدوجة: بعضهم يرفض الفساد ويعارضه، وبعضهم يشارك فيه أو يكتفي بالمشاهدة. وهذا يضع سؤالًا محوريًا حول دور المثقف في زمن الانهيار: هل هو فاعل حقيقي أم مجرد شاهد على الانحلال؟
د) طبقة التجار والحرفيين
التجار والحرفيون هم العمود الاقتصادي للمجتمع، لكنهم يعانون من الفساد والضرائب وغياب الأمان. الأسواق في عصر ابن إياس تتحول إلى مساحات احتكار وتهريب، والتاجر يصبح ضحية النظام بدلاً من أن يكون شريكًا في بناء الاقتصاد. ويظهر ذلك بوضوح في وصف ابن إياس لتدهور الأسواق وانهيار الثقة في التعامل التجاري.
هـ) طبقة الفقراء والعمال
الطبقة الأكثر تضررًا في هذا السياق هي طبقة الفقراء والعمال، الذين يتحولون إلى عاطلين أو مهاجرين أو مجبرين على الاحتيال أو العمل في ظروف قاسية. الفقر في “بدائع الزهور” ليس مجرد قلة مال، بل هو نظام اجتماعي ينتج الفساد ويغذّيه، ويُظهر كيف يصبح الانهيار الاقتصادي “حالة اجتماعية” تنتشر في المجتمع كله.
3) العلاقة بين الطبقات والاقتصاد
يظهر في “بدائع الزهور” أن الاقتصاد ليس خلفية للأحداث، بل هو بنية تحكم العلاقة بين الطبقات. فالموارد والضرائب والوظائف والعدالة ليست مجرد أدوات للدولة، بل هي عناصر تؤسس للهيمنة الاجتماعية. وعندما تتدهور هذه العناصر، تتدهور الطبقات كلها، ويظهر الانقسام الاجتماعي بشكل حاد.
4) القضاء كطبقة اجتماعية
في عصر ابن إياس، يصبح القضاء جزءًا من التكوين الاجتماعي نفسه. القضاة ليسوا مجرد موظفين قانونيين، بل هم طبقة اجتماعية تتداخل مع السلطة والمال. ويظهر ذلك من خلال مفهوم “المعلوم” الذي يربط القاضي بالسلطة عبر المال، مما يجعل القضاء سوقًا للعدالة، ويُفقد المجتمع الثقة في النظام القضائي ككل.
5) المذاهب الأربعة في سياق السلطة
المذاهب الأربعة (الشافعي، الحنفي، المالكي، الحنبلي) ليست مجرد مدارس فقهية، بل هي إطار قانوني ينعكس على التكوين الاجتماعي. في عصر ابن إياس، يصبح التزام القاضي بمذهب معين جزءًا من علاقته بالسلطة، ويُستخدم أحيانًا كأداة للسيطرة أو للاستفادة المالية. وهذا يوضح أن الدين ليس منفصلًا عن السياسة، بل جزء من شبكة السلطة نفسها.
6) الفساد والاحتكار كظاهرة اجتماعية
الفساد في “ بدائع الزهور” لا يظهر كخطأ فردي، بل كظاهرة اجتماعية تنتجها الهياكل الاقتصادية والسياسية. فاحتكار الأسواق، وتدهور الثقة، وتزايد الضرائب، وتفشي الرشوة، كلها عوامل تجعل الفساد “نمط حياة” وليس مجرد سلوك فردي. وبالتالي، يصبح الفساد جزءًا من التكوين الاجتماعي الذي يعكس انهيار الدولة.
خاتمة
من خلال قراءة “بدائع الزهور” كوثيقة اجتماعية، يتضح أن التكوين الاجتماعي في عصر ابن إياس ليس مجرد طبقات منفصلة، بل هو شبكة علاقات متشابكة بين السلطة والاقتصاد والقضاء. وفي هذا السياق، يصبح الانهيار الاجتماعي هو النتيجة الطبيعية لانهيار الدولة، لأن الطبقات كلها تتأثر بنفس المنطق: الاقتصاد يتحكم بالسلطة، والسلطة تتحكم بالقضاء، والقضاء يتحكم بالمجتمع.
المراجع:
- محمد بن إياس، بدائع الزهور في وقائع الدهور.
- ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة (للإشارة إلى سياق تاريخي عام للفقه والسلطة في العصر المملوكي).
- عبد الرحمن الكواكبي، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد (لإضاءة فهم العلاقة بين السلطة والفساد، كمرجع فكري عام).
- جمال الغيطاني، الزيني بركات (كمثال أدبي لتجسيد الفساد الاجتماعي، ليس كمصدر تاريخي مباشر).

تعليقات
إرسال تعليق