تحول مصر الثقافي: من الكوزموبوليتانية إلى أحادية التوجه
بقلم .. عصام وهبه
أسئلة الافتتاح
- لماذا تحولت مصر من مجتمع متعدد الطبقات والهويات إلى مجتمع أحادي التوجه والخيال؟
- متى بدأ تفكك الرابط الجامع بين المصريين: هل مع عبد الناصر أم بعد السادات؟
- لماذا فشلت مرحلة ما بعد السادات في ترميم الهوية، واكتفت بإدارة الأزمة؟
- وهل كان الصدام ممكنًا… أم أن تجميد المجتمع كان الخيار الوحيد لتفادي سيناريو جزائري؟
هذه ليست أسئلة أكاديمية مجردة، بل أسئلة القارئ العادي الذي ينظر حوله اليوم ولا يجد تفسيرًا بسيطًا لما آلت إليه البنية الثقافية والاجتماعية في مصر.
مصر قبل أن تصبح أحادية الخيال
قبل منتصف القرن العشرين، كانت مصر مجتمعًا متعدد الطبقات والهويات، ليس كشعار ثقافي، بل كبنية حياة يومية. المجتمع المصري لم يُعرّف نفسه عبر سؤال الهوية الصافية، بل عبر قدرة الأفراد على التعايش داخل فضاءات مشتركة واسعة تشمل الدين، اللغة، الأصل الجغرافي، والمهنة، دون أن تتحول هذه الاختلافات إلى أزمات وجود.
في القاهرة، الإسكندرية، والمحافظات الكبرى، يمكن ملاحظة مدن متعددة الوظائف حيث تعامل المسلم والمسيحي واليهودي والوافد الأجنبي على قدم المساواة في سوق العمل والتعليم والمجال التجاري. المدارس الخاصة والعامة كانت تستقبل طلابًا من خلفيات متعددة، وكانت طبقة المدرسين والموظفين الحكوميين تمثل قلب الطبقة الوسطى، التي تحمل مخزونًا معرفيًا وثقافيًا يسمح للحراك الاجتماعي الأفقي.
على سبيل المثال، في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، كانت المدرسة الثانوية الأميرية في القاهرة تستقبل أبناء الطبقات المختلفة، وتدرس مناهج علمية وأدبية تسمح بالتفاعل بين الطلاب على أساس الكفاءة والمعرفة لا الانتماء الطائفي أو القبلي. أما في المجال الاقتصادي، فقد كانت الأسواق المركزية مثل سوق العتبة في القاهرة مختلطة، تضم تجارًا وفنيين من أصول مختلفة، يساهمون في الاقتصاد المحلي دون أن تكون الولاءات الحزبية أو الدينية محورًا للعمل اليومي.
كانت الطبقة الوسطى ليست مجرد فئة اقتصادية، بل حاملة للخيال الجمعي: موظفو الدولة، المدرسون، المهندسون، الأطباء، والتجار الصغار. كانوا يعرفون القراءة ويشاركون في المجال العام، ويمتلكون إحساسًا ضمنيًا بالمواطنة قبل أن تصبح الكلمة متداولة في خطاب الدولة.
التعددية لم تكن معلنة بوصفها قيمة، بل ممارَسة واقعًا. لم يسأل المصري نفسه يوميًا: «من أنا؟»، لأن الانتماء لم يكن مهددًا بفقدان الإجابة. الهوية كانت خلفية صامتة للحياة اليومية، ولم يكن هناك حاجة إلى خطاب تعبوي لتثبيتها.
هذا التوازن لم ينهَر فجأة، ولم يكن هشًا بطبيعته، بل تعرض لسلسلة صدمات متتالية: صدمة التعبئة مع الناصرية، ثم صدمة التفكيك مع سياسات السادات، وأخيرًا صدمة التجميد في عصر مبارك. كل مرحلة أعادت تعريف العلاقة بين الفرد والدولة، وبين المجتمع وذاته.
تظهر هنا سؤالاً مركزيًا: متى تحولت الهوية من خلفية صامتة إلى موضوع صراع؟ ولماذا لم يعد المجتمع قادرًا على إنتاج تعدديته تلقائيًا؟
الناصرية: متى تحولت الهوية من واقع معاش إلى خطاب تعبوي؟
مع صعود المشروع الناصري، بدأت الدولة تلعب دور المنتج الرئيسي للهوية بدل أن تظل مجرد إطار للمعيشة المشتركة. لم يكن هذا التدخل نتيجة نزعة سلطوية خالصة، بل استجابة لتحديات سياسية واجتماعية داخلية وخارجية، تتطلب تعبئة جماهيرية شاملة. ومع ذلك، فإن تحويل الهوية من ممارسة يومية إلى خطاب تعبوي فتح الباب أمام اختزال الاختلاف الاجتماعي لصالح سردية واحدة: نحن في مواجهة الآخر.
في هذا الخطاب، صارت الهوية أداة لتنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع، لا نتيجة طبيعية للتفاعل الاجتماعي. الفرد أصبح يُقاس بموقعه في هذا الخطاب أكثر من أن يُقاس بقدرته على التعايش والإنتاج. التعبئة الشاملة نجحت في وحدة المعنى والولاء، لكنها أضعفت المجال العام، وجعلت أي اختلاف يُنظر إليه على أنه تهديد.
بالرغم من ذلك، لم يُفقد المجتمع كل قدرة على التعدد، فالطبقة الوسطى وفضاءات المدينة حافظت على بعض المساحات التي تمارس التعدد عمليًا، وإن كانت غير مرئية في خطاب الدولة. التعددية كانت كامنة، لكنها لم تعد تُنتج من أسفل، بل تعتمد على ما تسمح به أعمدة السلطة الرسمية.
وهنا يطرح السؤال: هل المشكلة في المشروع نفسه، أم في الطريقة التي تقاطعت بها الدولة والمجتمع؟ الإجابة تكمن في أن المشروع الناصري لم يُصمَّم لتفكيك المجتمع، بل التعبئة حول هدف قومي، إلا أن النتائج البنيوية على المدى الطويل أوجدت أسسًا لاحقة لأحادية الهوية بعد السادات.
السادات: كسر الإطار لا إعادة بنائه
مع تولي السادات السلطة، لم يعد الأمر متعلقًا بالخطاب التعبوي فحسب، بل بتحويل البنية الاجتماعية نفسها. جرى تفكيك الروابط الجامعة التي أوجدتها الكوزموبوليتانية وبقيت جزئيًا خلال الناصرية، واستبدالها بآليات ضبط جديدة تعتمد على الولاء الفردي والانتماء المباشر للفرد للدولة أو لرموزها.
في المجال الاقتصادي، تم فتح السوق بطريقة غير متوازنة: صعدت فئات لم تمر عبر التعليم المنتِج أو الخبرة العملية، وظهر اقتصاد قائم على الفهلوة والربح السريع بدل الإنتاج والتراكم. المصانع العملاقة انهارت، والتحول الصناعي توقف، وتحولت المدن إلى فضاءات استهلاكية أكثر منها منتجة. هذا التفكك الاقتصادي جعل صعود الفئات غير المتعلمة ممكنًا، وحوّل الطبقة الوسطى إلى شريحة محدودة غير قادرة على حمل مشروع تعددي.
أما التعليم، فقد تحول من وسيلة حراك أفقي وإنتاج المعرفة إلى إعادة إنتاج اجتماعي وقيمي محدودة. الشهادات صارت غاية، والمعرفة العملية أصبحت هامشية، فصعد حراك رأسي يعتمد على التكيف مع النظام أكثر من المعرفة والإنتاج. في المقابل، ظهر تدخل الدين والمجتمع المدني الرسميين كأدوات ضبط اجتماعي تُعيد إنتاج الانتماءات الجزئية بدل الهوية الجامعة.
النتيجة أن المجتمع لم يعد قادرًا على إنتاج تعدديته من الداخل. كل خطوة نحو الانفتاح أو التجديد كانت تواجه قيودًا بنيوية تجعلها إما عاجزة أو مشوهة، فاختير التجميد كخيار ضروري لتفادي الصدام المفتوح، مع ما يترتب على ذلك من استمرار الأزمة البنيوية في الهوية.
مبارك: لماذا اختار التجميد؟
مع نهاية فترة السادات، واجهت الدولة المصرية مجتمعًا مفككًا، طبقة وسطى منهارة، وتعليمًا محدود الإنتاج، واقتصادًا هشًا. في هذا السياق، أي محاولة لإعادة الهندسة الاجتماعية أو الاقتصادية بشكل جذري كانت تحمل مخاطر انفجار حقيقي، بما يشبه السيناريو الجزائري.
اختيار التجميد لم يكن نتاجًا عن ضعف إرادة أو كساد سياسي، بل كان قرارًا استراتيجيًا لإدارة التناقضات. تم الحفاظ على الحد الأدنى من المجال العام، مع ضبط الانتماءات والهويات الفرعية، ومنع أي تصادم مباشر مع الدولة العميقة والفئات المسلحة العائدة من الخارج، والتي قد تتحول إلى عامل زعزعة.
بهذا التجميد، نجحت الدولة في تأجيل الانفجار، لكنها لم تعالج الأزمة البنيوية للهوية. المجتمع ظل راديكالي الجوهر، متسامح المظهر، قادرًا على الامتثال للقواعد دون امتلاك أدوات الإنتاج المعرفي أو الاقتصادي التي تمكنه من إعادة بناء ذاته من الداخل.
التجميد كان إذن استراتيجية بقاء، أكثر منها مشروعًا إصلاحيًا، موجهًا للحفاظ على ما تبقى من الروابط الجامعة، بينما كان الانفجار الحقيقي مؤجلًا إلى مرحلة لاحقة.
الاقتصاد بوصفه المدخل الوحيد لإعادة التماسك
في ضوء كل ما سبق، يتضح أن أي مشروع لإعادة إنتاج التعددية في مصر لا يمكن أن يبدأ من خطاب أو سياسة تعبوية فقط. الاقتصاد هو المدخل الوحيد القادر على إعادة التوازن. فإنتاج الثروة بشكل منتج، وتوفير فرص عمل حقيقية، وإعادة بناء الصناعة، وإتاحة الحراك الأفقي للمعرفة والمهارة، كلها شروط تجعل المجتمع قادرًا على استعادة أدواته لتشكيل هوية جامعة.
بدون اقتصاد منتج، تبقى الهوية مجرد خطاب أو مشهد شكلي، لا قوة حقيقية قادرة على تغيير الواقع. الاقتصاد يسمح بإعادة تكوين الطبقة الوسطى، التي هي الحامل الأساسي للتعددية، ويعيد إشراك التعليم في الإنتاج الاجتماعي والمعرفي، ويخلق قاعدة تسمح للمواطن بالانتماء للجماعة دون خضوع إجباري لخطاب الدولة أو لأي جهة فوقية.
بهذا المعنى، يمكن القول إن استعادة التعددية ليست مسألة سياسية فحسب، بل عملية طويلة تتطلب استثمارًا متواصلًا في الإنتاج والمعرفة، ما يجعل الاقتصاد بوابة إعادة التماسك الاجتماعي والثقافي، ويمنح المجتمع القدرة على إعادة إنتاج هويته من الداخل بشكل مستدام.
الخاتمة: عزيزي القارئ
انتهت القصة، وبقي السؤال: هل يمكن لمصر أن تستعيد تعدديتها وهويتها الجامعة بعد عقود من الأحادية البنيوية؟ وهل الاقتصاد وحده قادر على فتح الطريق لإحياء طبقة وسطى منتجة، تمنح المجتمع القدرة على إعادة إنتاج ذاته من الداخل؟
ما هو واضح أن المسألة ليست سياسية فحسب، بل بنيوية واجتماعية واقتصادية ممتدة عبر أجيال. إعادة التماسك تتطلب صبرًا، استثمارًا في المعرفة والإنتاج، وفهمًا عميقًا لكيفية عمل الروابط التي تخلق هوية حقيقية لا تُفرض، بل تُنتج يوميًا.
يبقى السؤال مفتوحًا، والخيارات أمام مصر واضحة، لكن الطريق لإعادة البناء طويل ويحتاج لأجيال لاحقة لتكتمل الصورة.

تعليقات
إرسال تعليق