الفاطميون الجدّد: مشروع البهرة في تجديد النموذج البصري للإمامة
بقلم عصام وهبه
مقدمة
هل يمكن للحجر أن يستأنف حديثاً انقطع قبل ثمانية قرون؟ .. وهل يستطيع 'اللون' أن يظل وفياً لسلطة بادت، ليعود ويحكم الوجدان في جغرافيا مغايرة تماماً؟
![]() |
تسييل
الحجر وتجسيد المعنى: سيمياء السلطة بين القاهرة الفاطمية وحاضر البهرة |
يمثل النظام البصري الفاطمي أكثر من مجرد زخرفة حجرية أو ترف معماري؛ إنه 'بنية معرفية ورمزية' صاغت الهوية والسلطة، ورسمت بدقة سيميائية حدود العلاقة بين الذات والآخر. تكمن الإشكالية الكبرى في كيفية عبور هذا النظام 'السيادي' من سياقه التاريخي في قاهرة المعز، إلى تجربة معاصرة حية لدى طائفة البهرة في الهند، اليمن، وآسيا إفريقيا. نحن هنا لسنا بصدد 'استرجاع تاريخي مهادن، بل أمام 'استمرار مبرمج' يُعيد فيه البهرة تفسير النموذج الفاطمي، محولين 'الأكواد البصرية' القديمة إلى أداة لهوية متجددة.
في هذا البحث :
نتتبع كيف يُلبَس النور، وتُؤكل الألوان، ويُستعاد 'الإمام كشمس' في قلب مسجد سوارة، في تجربة حسية وطقوسية متكاملة لا تستذكر التاريخ.. بل تستأنف مساره.
1. سيميولوجيا السلطة: من "الحجر التاريخي" إلى "البنية المعرفية الحية"
لا يُقرأ النظام البصري الفاطمي، في مقالَيْ "سيمياء الزخرفة في العمارة الفاطمية" و"الدولة التي حكمت بالألوان: سيميائية السلطة الفاطمية"، كقصة ماضٍ تُختَزل في الحجر والزخرفة وفقط، بل كبنية معرفية ورمزية تُمكّن السلطة من صوغ هوية متميزة، ورسم حدود مفصلة بين الذات والآخر عبر الألوان والزخارف والطقوس.
- تصميم عالم بصري متكامل
الفاطميون، في هذا المسعى، لم يبنوا مساجد وقصورًا فحسب، بل صمّموا عالمًا بصريًا كاملاً، من الزخرفة في جامع الأقمر إلى الألوان في مولد النبي، ومن الخزف البرّاق إلى الزي الأبيض الموشى بالذهب، ليُصبح كل لون، وكل خط، وكل نمط نباتي، نصًا معرفيًا يُقرأ في ضوء التأويل الإسماعيلي للسلطة والهوية.
- النظام السيميولوجي
يُعدّ مقال الزخرفة في العمارة الفاطمية، من جهة، والمقال حول الألوان كأداة للسلطة، من جهة أخرى، تمهيدًا لهذه المقاربة، لكنه لا يُكتمل إلا حين نُتابع مسيرة هذا النظام البصري في ملامسة معاصرة، تربط بين الحجر المعماري القديم وطقوس المجموعة العقدية اليوم.
- التجربة البهريّة كنموذج حي
تأتي هنا التجربة البهريّة، ليس كذِكْرٍ تأريخيّ مهادن، بل كنموذج حيّ يُعيد إنتاج نفس الألوان، والزخارف، والرموز في مساجد واحتفالات معاصرة، وفي القلب منها مسجد سوارة الذي يُعدّ مثالًا مكثّفًا لتحول الزخرفة والنور إلى بيئة هويّة ملموسة.
- اللون كرمز للولاية والسلطة
في مقاله "الدولة التي حكمت بالألوان" يُبيّن الكاتب كيف حوّل الفاطميون اللون الأبيض والأخضر والذهبي إلى رمز للولاية، وربط الأحمر والأسود بسلطة الجسد والصراع، بينما تُظهر مقالة "سيمياء الزخرفة في العمارة الفاطمية" كيف تُقرأ الزخرفة في المسجد كـ"نص معرفي" يعكس النظام العقائدي للإمامة، من عبر النبات والهندسة والخط.
- ربط الأسلوبين وتجسيد المعاصر للنظام البصري
في هذا المقال، يُحاول الكاتب أن يربط هذين الأسلوبين، فيرى في مسجد سوارة ومناسبات البهرة في الهند، اليمن، وآسيا إفريقيا، تجسيدًا معاصرًا للنظام البصري الفاطمي، حيث يُلبَس النور وتُؤكَل الألوان في الحلوى، وتُعاد تجربة "الدولة التي حكمت بالألوان" في مساجد واحتفالات لا تُقرأ كاسترجاع ماضٍ، بل كاستمرار مبرمج لهوية لا تزال تبحث عن نفسها في مواجهة الآخر، كما فعلت في القرون الماضية.
2. مسجد سوارة: نسخة معاصرة للمسجد الفاطمي
يُعدّ مسجد سوارة في مدينة سوارة في الهند، ليس مجرد مسجد عادي، بل يُقرأ كنسخة معاصرة مُعدّة لإعادة تجربة المسجد الفاطمي كما ظهر في القاهرة، من حيث نسقه البصري والهويّ، واندماج الزخرفة مع الألوان، والاحتفاء بالنور والبيض والذهب، والبعد التصويري، وتنظيم التشكل المعماري حول مركز موحد يُعيد تجربة "الإمام كشمس وسط" التي صوّرها الفاطميون في جامع الأقمر والحاكم بأمر الله.
- نسق الألوان والزخارف في مسجد سوارة
في مسجد سوارة، تُهيمن نسق الألوان نفسها: البيض الأنيق، والذهب الموزّع في موضع محسوب، والألوان الخضراء في الزخارف والقباب والأقوام، ليُعاد إنتاج نفس الشعور الدينامي الذي يُشعر المصليّ بالارتباط بمركز إيماني متماسك. والزخرفة هنا ليست تجميلًا، بل تُقرأ معاً مع مقالة "سيمياء الزخرفة في العمارة الفاطمية" كنص بصري، حيث يُعاد استخدام الخط الكوفي المزهر، والزخارف النباتية المجردة، والأنماط الهندسية المتكررة، لتعكس مفاهيم الظاهر والباطن، ومراتب الولاية، ومركزية الإمام، كما وُصِفت في مجالس الحكمة في الدولة الفاطمية.
- مقارنة مع التجربة الفاطمية الأصلية
مقارنة مسجد سوارة بالمساجد الفاطمية، تُظهر أن البهرة لا يُعيدون تجربة الفاطميين ك.Memory أثرية، بل يُحوّلونها إلى نسق معمّر، حيث يُعاد صياغة نفس الألوان والزخارف والهوية في بيئة معاصرة، ليُصبح مسجد سوارة، في القراءة السيميائية، مجلسًا حكمة بصريًا معاصرًا، يُعيد مأسسة نفس الرموز التي صاغها الفاطميون في القرن الحادي عشر، في القرن الحادي والعشرين، على مسافة آلاف الكيلومترات من مصر، وسط شبكة طرق عالمية وجماعات ممتدة في الهند، اليمن، وآسيا إفريقيا، بما يُكمل في الوقت نفسه مقالة "الدولة التي حكمت بالألوان" و"سيمياء الزخرفة في العمارة الفاطمية" في تجربة معاصرة حية.
3. الألوان في احتفالات البهرة: تواصل حسي مع النظام الفاطمي
لا تقتصر استمراريت الألوان الفاطمية في تجربة البهرة على مساجد مثل سوارة وحدها، بل تُمتد إلى الاحتفالات العقدية، والمناسبات الدينية، والأزياء الطقوسية، لتُعيد صياغة النظام البصري الذي وُضّح في مقال "الدولة التي حكمت بالألوان" و"سيمياء الزخرفة في العمارة الفاطمية" في مساحة اجتماعية حسية معاصرة.
- نسق الألوان في المناسبات
في مناسبات مولد النبي، وأعياد الولاية، والاستقبالات الرسمية، تُهيمن نسق الألوان نفسها: الابيض الأنيق الموشّى بالذهب، والأخضر في الرموز والإكليلات، والأحمر في بعض الأقمشة، ليُعاد إنتاج نفس الشعور بالهوية المتميزة، والمركزية، وغياب السواد، كما فعل الفاطميون في مواكبهم والحفلات الرسمية.
- الألوان كلغة معرفية
هكذا يُصبح اللون في هذه الاحتفالات ليس مجرد تزيين، بل لغة معيّنة:
الأبيض يُقرّب الاحتفال من النور الإمامي،
الخضراء يُذكّر بالنسب العلوي والسلالة،
الذهب يُعلّق على الحد الأقصى من الفخر والهيبة،
بينما يُحتَفَظ بالسود الأقل حضورًا، ليُقرّب تجربة البهرة من ذات تجربة الفاطميين في تأويل الألوان كـ"أدلجة بصرية" للهوية، لا كزينة متحرّرة من السياق
4. صيرورة الأدلجة: "الداعي" و"الفقه" كمحركات للنظام البصري
- لماذا يتحول الفن إلى أيديولوجيا؟
لا يمكن فهم "الصيرورة البصرية" لدى البهرة بمعزل عن "رتبة الداعي المطلق" والمنظومة الفقهية الإسماعيلية. اللون والزخرفة هنا ليسا "اختياراً ذوقياً"، بل هما "تكليف فقهي" يهدف إلى:
- تجسيد رتبة الإمامة:
الفقه الإسماعيلي القائم على "الظاهر والباطن" يفرض أن يكون لكل عنصر بصري (ظاهر) حقيقة فقهية (باطن).
- الداعي كـ "مهندس للوعي":
الداعي هو الذي يقرر "كود الترميم" في الأقمر أو "بروتوكول اللون" في سوارة، ليضمن أن يظل الفضاء المعماري "محضناً للولاء"
- الفقه كـ "سورس كود" (Source Code) للعمارة:
في تجربة البهرة، "الداعي" هو الذي ينقل الفقه من "الكتب" إلى "الحواس". هو الذي يحول مفهوم "نور الهداية" الفقهي إلى "رخام أبيض ومشكاوات" محسوسة. بدون إشراف الداعي الفقيه، يتحول مسجد سوارة إلى مجرد بناية جميلة، لكن بوجوده يصبح "جهاز بث عقائدي" يعيد برمجة هوية الجماعة يومياً.
خاتمة: من ملوية ابن طولون إلى رخام سوارة (العمارة كوثيقة شرعية)
إن استعادة البهرة للنموذج البصري الفاطمي اليوم تطرح مقاربة تذكرنا بما فعله أحمد بن طولون قديماً؛ فكما استخدم ابن طولون "المئذنة الملوية" والزيادات السامّرائية كقشرة بصرية لكسب الشرعية أمام الخلافة العباسية مع احتفاظه باستقلال مصري خالص في جوهر الهندسة والآجر، نجد البهرة اليوم يستثمرون في "الأكواد الفاطمية" ليس لمجرد الحنين، بل كأداة سيادة هوية.
في مسجد سوارة، لا يتم ترميم الحجر بل تُرمم "الذاكرة السيادية". إنهم يطبقون نفس استراتيجية "كسب الشرعية عبر المعمار"؛ فبينما يمتثلون لقوانين الحداثة وجغرافيا الشتات، يظل "النص البصري" الداخلي (الرخام الأبيض، المشكاوات، الخط الكوفي) بمثابة إعلان استقلال روحي وعقدي. وبذلك، يظل النظام البصري الفاطمي — تماماً كما كان معمار ابن طولون — برهاناً على أن السلطة التي تُبنى على "سيمياء النور واللون" هي سلطة قادرة على تسييل الزمن، واستئناف مسار التاريخ من نقطة انقطاعه، محولةً الحجر الصامت إلى لسانٍ معاصر يلهج بالولاء والخصوصية.
أولاً: المراجع الأجنبية
Bloom, J. M. (2007). Arts of the City Victorious: Islamic Art and Architecture in Fatimid North Africa and Egypt. Yale University Press.
Daftary, F. (2007). The Isma'ilis: Their History and Doctrines (2nd ed.). Cambridge University Press.
Grabar, O. (1987). The Formation of Islamic Art. Yale University Press.
Walker, P. E. (2002). Exploring an Islamic Empire: Fatimid History and its Sources. I.B. Tauris.
Bloom, J. M. (1985). "The Mosque of al-Hakim and the Fatimid City Plan". Muqarnas, Vol. 3
ثانياً: المراجع العربية .
باستورو، ميشيل. (2014). الأزرق: تاريخ لون (أو دراساته عن الألوان السياسية).
سيد، أيمن فؤاد. (2000). الدولة الفاطمية في مصر: تفسير جديد. الدار المصرية اللبنانية.
ثالثاً: مراجع الانترنت
1. معهد الدراسات الإسماعيلية (The Institute of Ismaili Studies - IIS)
2. أركنت (Archnet) - البنية التحتية للمعرفة البصرية الإسلامية
3. موسوعة إيرانيكا (Encyclopaedia Iranica)
4. مجلة "مقرنس" (Muqarnas Online)
5.الموقع الرسمي لطائفة البهرة (The Dawoodi Bohras)

تعليقات
إرسال تعليق