الفاطميون وفتح مصر: كيف استغلوا ضعف العباسيين والإخشيديين لتأسيس القاهرة
بقلم عصام وهبه
المقدمة
لم يكن فتح مصر سنة 358هـ/969م مجرد حملة عسكرية ناجحة، بل كان تتويجًا لمشروع سياسي طويل المدى سعى إلى نقل الدولة الفاطمية من قاعدة مغاربية في إفريقية إلى مركز العالم الإسلامي. فقد أدرك المعز لدين الله أن السيطرة على مصر تمثل المفتاح الحقيقي للثروة والشرعية والنفوذ، وأن نجاح هذا الهدف لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل عبر الجمع بين التنظيم المؤسسي، والتمهيد الدعوي، والرصد الدقيق للأوضاع الداخلية، واستثمار لحظة الضعف السياسي التي أعقبت وفاة كافور الإخشيدي.
- لكن كيف تمكن الفاطميون من اختراق مصر بعد أن أخفقت محاولاتهم السابقة؟
- ولماذا تحولت مصر إلى الهدف الاستراتيجي الأهم في مشروعهم التوسعي؟
- وما الدور الذي أداه الدعاة في تمهيد الأرض قبل وصول الجيش؟
- وكيف أسهمت الأزمات الاقتصادية والسياسية في تسهيل دخول قوات جوهر الصقلي؟
- ثم كيف تحول هذا الفتح إلى مشروع حضاري تمثل في تأسيس القاهرة وإنشاء الجامع الأزهر؟
يسعى هذا المقال إلى الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال قراءة تفسيرية لفتح مصر الفاطمي، بوصفه نموذجًا تاريخيًا يوضح كيف يمكن لقوة سياسية تمتلك رؤية واضحة وتنظيمًا محكمًا أن تستثمر تآكل خصومها لتعيد تشكيل مركز السلطة في المنطقة لقرون طويلة.
![]() |
| جيش فاطمي متجه نحو القاهرة محمل بالمؤن في لوحة تكعيبية تعبر عن الحركة وبناء الدولة. |
مصر بوصفها الهدف الاستراتيجي المركزي (تحليل مقارن)
لم تكن مصر في المشروع الفاطمي مجرد إقليم غني، بل “مركز ثقل استراتيجي” يتجاوز قيمته المحلية إلى كونه بوابة التحكم في توازنات العالم الإسلامي في القرن الرابع الهجري.
| الإقليم | القيمة الاستراتيجية | ما الذي يحققه السيطرة عليه؟ | حدود التأثير |
|---|---|---|---|
| مصر | مركز مالي وزراعي وجغرافي | تمويل الدولة + التحكم في طرق التجارة + قاعدة انطلاق | يسمح بالتوسع شرقاً وغرباً |
| بلاد الشام | خط مواجهة عسكري مباشر | الضغط على بغداد والتحكم في طرق الحج والتجارة | تأثير عسكري أكثر من اقتصادي |
| الحجاز | شرعية دينية ورمزية | التأثير على الحرمين وكسب الشرعية الدينية | محدود عسكرياً لكنه قوي رمزياً |
| بغداد | مركز الخلافة العباسية | السيطرة السياسية العليا للعالم الإسلامي | صعب السيطرة المباشرة عليه |
| المغرب الإسلامي | قاعدة تأسيس الدولة الفاطمية | بناء القوة العسكرية والدعوية | هامشي مركزياً دون مصر |
التحليل الاستراتيجي
من هذا المنظور، يتضح أن مصر كانت تمثل “نقطة التحول” في المشروع الفاطمي للأسباب التالية:
اقتصادياً:
مصر وحدها كانت قادرة على تمويل مشروع توسعي نحو الشام والحجاز، بينما المغرب يوفر فقط قاعدة تأسيس أولية.جغرافياً:
موقعها المتوسط جعلها نقطة توزيع للقوة في أربعة اتجاهات، وهو ما لا توفره الشام أو الحجاز منفردين.سياسياً:
السيطرة على مصر تعني امتلاك منصة منافسة مباشرة للعباسيين في بغداد، وليس مجرد ضغط حدودي كما في الشام.دينياً (رمزياً):
القرب من الحجاز يمنح شرعية إضافية، لكن مصر هي التي توفر “أداة الفعل” وليس فقط “رمزية الشرعية”.الخلاصة التحليلية
يمكن القول إن الاستراتيجية الفاطمية لم تكن قائمة على هدف واحد (مصر فقط)، بل على تسلسل هرمي للأهداف:
- المغرب = قاعدة بناء القوة
- مصر = مركز الانطلاق الإمبراطوري
- الشام = منطقة ضغط عسكري
- الحجاز = تعزيز الشرعية الدينية
- بغداد = الهدف النهائي الرمزي
وبهذا المعنى، كانت السيطرة على مصر شرطاً ضرورياً قبل التفكير في أي توسع نحو الشام أو الحجاز، وليس العكس.
مصر قبيل الفتح: ضعف الدولة وتآكل الشرعية (قراءة تحليلية)
على الرغم من أن مصر في أواخر العصر الإخشيدي كانت ما تزال تملك قاعدة اقتصادية قوية، فإن قوة الدولة لم تكن تقاس بالموارد وحدها، بل بقدرتها على تحويل هذه الموارد إلى سلطة مستقرة. وهنا بدأ الخلل يتضح تدريجياً في السنوات الأخيرة من حكم الإخشيديين.
مع تراجع سلطة الدولة في أواخر عهدها، ظهرت مصر كدولة “غنية الموارد وضعيفة الإدارة”. وبعد وفاة كافور الإخشيدي سنة 968م، لم يحدث انتقال سياسي منظم، بل دخلت البلاد في مرحلة إعادة توزيع قوى داخلية بين قادة الجيش والموظفين الكبار، دون وجود مركز قرار حاسم.
مظاهر التآكل السياسي (قبل الفتح مباشرة)
1. تفكك السلطة المركزية
- غياب قيادة سياسية قادرة على ضبط الجيش والإدارة.
- تنازع مراكز القوة داخل الجهاز العسكري.
- ضعف القدرة على فرض قرارات موحدة على الأقاليم.
2. اضطراب اقتصادي ومعيشي
- ارتفاع أسعار الغلال بشكل ملحوظ.
- تذبذب في إمدادات الغذاء داخل المدن الكبرى.
- تراجع كفاءة الجباية والإنفاق العام.
3. أزمة شرعية سياسية
- فقدان الثقة في الدولة كجهة قادرة على الحماية.
- تحوّل السلطة إلى “إدارة يومية” بدل مشروع حكم.
- غياب رؤية سياسية موحدة لمستقبل الحكم.
الفجوة الحاسمة: الموارد مقابل القدرة السياسية
الأهم في هذه المرحلة ليس الفقر الاقتصادي، بل العكس تماماً: كانت مصر تمتلك موارد كبيرة، لكن دون إدارة قادرة على توظيفها.
وفرة اقتصادية + ضعف سياسي = قابلية عالية للاختراق الخارجي
هذه الفجوة هي التي استثمرها الفاطميون لاحقاً، لأن الدولة لم تكن منهارة مادياً، بل منهارة في “آلية الحكم”.
قراءة مقارنة مختصرة
- كانت أضعف من حيث الاستقرار السياسي من بلاد الشام.
- لكنها أغنى بكثير من المغرب الفاطمي.
- وأكثر قابلية للاختراق من بغداد بسبب غياب المركز القيادي الفعّال.
الخلاصة الانتقالية
بهذا الشكل، لم تكن مصر دولة منهارة بالكامل، بل دولة “مفتوحة من الداخل”: اقتصاد قوي، لكن سلطة سياسية متآكلة، وهو نمط من الفراغ لا ينتج سقوطاً تلقائياً، بل يخلق فرصة لقوة منظمة تمتلك مشروعاً جاهزاً للتدخل.
وهنا تحديداً يبدأ فهم لماذا لم يكن الفتح الفاطمي حدثاً عسكرياً مفاجئاً، بل نتيجة مباشرة لهذا التآكل الداخلي.
التمهيد الدعوي والسياسي للفتح (تأطير تاريخي مقارن)
لم يكن دخول الفاطميين إلى مصر سنة 358هـ/969م حدثًا عسكريًا منفصلًا، بل نتاج مرحلة طويلة من التمهيد غير المباشر الذي سبق وصول الجيش بسنوات. هذا التمهيد لا يمكن فهمه إلا بوصفه جزءًا من نموذج سياسي فريد اعتمد على الجمع بين بناء القوة في المغرب، والاختراق الدعوي في الداخل المصري، وتراكم المعرفة الدقيقة بطبيعة الدولة الإخشيدية.
في هذا السياق، لم تكن “الدعوة الفاطمية” نشاطًا دينيًا محضًا، بل أداة تنظيمية ذات وظائف متعددة: إنتاج النفوذ، وجمع المعلومات، وتهيئة البيئة السياسية لقبول التحول. وقد عمل الدعاة داخل المدن المصرية، خاصة في مراكز التجارة والإدارة، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع القرار السياسي.
أولًا: طبيعة التمهيد الفاطمي – بين الدعوة وإنتاج المعرفة
يمكن تفكيك دور الدعاة الفاطميين إلى ثلاث وظائف مترابطة:
- وظيفة فكرية: تقديم الإمامة الإسماعيلية كبديل نظري للشرعية العباسية.
- وظيفة اجتماعية: بناء علاقات مع التجار والكتّاب وبعض عناصر النخبة المحلية.
- وظيفة معرفية سياسية: جمع معلومات دقيقة عن بنية الحكم الإخشيدي وصراعاته الداخلية.
وهنا تظهر خصوصية النموذج الفاطمي: فالدعوة لم تكن مجرد خطاب، بل شبكة معرفة تعمل داخل المجتمع المستهدف قبل الدخول العسكري إليه.
ثانيًا: مقارنة تاريخية لنماذج التمهيد السياسي
| النموذج | أداة التمهيد | طبيعة الاختراق | دور المعرفة | النتيجة |
|---|---|---|---|---|
| الفاطميون في مصر | الدعوة + الشبكات السرية | اختراق اجتماعي/نخبوي تدريجي | مرتفع جدًا | فتح مصر وتأسيس القاهرة |
| العباسيون | الدعوة في خراسان | تعبئة جماهيرية ثورية | متوسط | إسقاط الأمويين وتأسيس بغداد |
| البويهيون | التغلغل العسكري في الجيش | اختراق مؤسسي مباشر | محدود | السيطرة على بغداد مع بقاء الخليفة |
| الإخشيديون | لا نموذج تمهيدي توسعي | اعتماد على القوة الإدارية | ضعيف | انهيار سريع بعد ضعف القيادة |
ثالثًا: قراءة تحليلية للمقارنة
تُظهر هذه المقارنة أن النموذج الفاطمي في مصر كان مختلفًا من حيث البنية الاستراتيجية، إذ اعتمد على:
1. الاختراق الهادئ بدل الصدام المباشر
لم يكن الهدف إسقاط الدولة بالقوة، بل تفكيك مقاومتها من الداخل تدريجيًا.2. تحويل المعرفة إلى أداة سياسية
المعلومات عن الاقتصاد، والنخب، وصراعات السلطة، كانت جزءًا من التخطيط العسكري اللاحق.3. تقديم “بديل جاهز” قبل لحظة السقوط
بحيث لا يحدث فراغ سياسي عند انهيار السلطة الإخشيدية، بل يتم استبدالها مباشرة.خلاصة تحليلية
يمكن القول إن التمهيد الفاطمي لمصر مثّل نموذجًا متقدمًا في إدارة التحولات السياسية يقوم على مبدأ واضح:
السيطرة لا تبدأ عند دخول الجيش، بل عند بناء المعرفة داخل الدولة المستهدفة قبل انهيارها.
وبهذا المعنى، لم يكن الفتح العسكري إلا المرحلة الأخيرة في مسار طويل من الاختراق المنظم الذي جعل الانتقال إلى الحكم يبدو نتيجة طبيعية لتوازنات داخلية مختلة، لا غزوًا خارجيًا مفاجئًا.
الحملات الفاطمية على مصر (تحقق تاريخي وتحليل مقارن)
لم يكن فتح مصر سنة 358هـ/969م نتيجة نجاح سريع أو مفاجئ، بل جاء بعد سلسلة محاولات عسكرية متكررة عكست تطور القوة الفاطمية تدريجيًا، وفي المقابل استمرار قدرة الدولة الإخشيدية ثم العباسية على احتواء الهجمات في مراحلها الأولى.
جدول الحملات الفاطمية على مصر
| الحملة | التاريخ | القائد/التوجيه | أهم الأحداث | سبب الفشل |
|---|---|---|---|---|
| الحملة الأولى | 301هـ / 914م | القائم بأمر الله | تقدم نحو الإسكندرية ودخولها مؤقتًا | ضعف الإمدادات + تدخل العباسيين + عدم التوغل |
| الحملة الثانية | 307هـ / 919م | القائم بأمر الله | محاولة الوصول إلى الفسطاط | مقاومة قوية + فقدان الإمداد + التفوق البحري |
| مرحلة التحضير الطويل | 308–357هـ | الدولة الفاطمية في المغرب | إعادة بناء الجيش وتوسيع النفوذ | مرحلة تراكم قوة |
| الحملة الحاسمة | 358هـ / 969م | المعز وجوهر الصقلي | دخول مصر وتثبيت الحكم | انهيار الدولة الإخشيدية |
الخلاصة التحليلية
تكشف هذه السلسلة أن الفتح الفاطمي لم يكن نتيجة تفوق عسكري لحظي، بل نتيجة تطور غير متوازن بين قوتين:
قوة فاطمية تتراكم تدريجيًا مقابل دولة مصرية تتآكل تدريجيًا.
وبهذا المعنى، فإن حملة 358هـ/969م لم تكن بداية المشروع، بل لحظة اكتماله التاريخي.
![]() |
| خارطة الطريق إلى القاهرة (969م): كيف رسم الفاطميون مسار إمبراطوريتهم عبر استغلال الفراغ الجيوسياسي في مصر |
المعز لدين الله والتخطيط الاستراتيجي
يمثل المعز لدين الله نقطة التحول المركزية في انتقال المشروع الفاطمي من مرحلة التوسع في المغرب إلى مرحلة السيطرة على مصر. فنجاح الفتح لم يكن نتيجة قرار عسكري مباشر، بل ثمرة تخطيط طويل اعتمد على إعادة بناء أدوات الدولة نفسها قبل نقلها إلى ساحة جديدة.
فقد أشرف المعز على إعادة تنظيم الجيش على أسس أكثر احترافية، وتأمين خطوط الإمداد الممتدة من إفريقية إلى مصر، بما في ذلك إعداد محطات تموين ومخازن على طول الطريق. كما تم تجهيز المؤن بشكل يضمن قدرة الحملة على الاستمرار دون الاعتماد على الموارد المحلية في المراحل الأولى من التوغل.
وفي السياق نفسه، تم اختيار جوهر الصقلي لقيادة التنفيذ الميداني، بما يعكس فصلًا واضحًا بين “التخطيط الاستراتيجي” في المركز و“التنفيذ العسكري” في الميدان، وهو نمط إداري متقدم نسبيًا في سياق القرن الرابع الهجري.
الأزمة الاقتصادية والشرعية العملية
تزامن دخول الفاطميين مصر مع حالة من الاضطراب الاقتصادي الناتج عن ضعف الإدارة وتفكك السلطة بعد وفاة كافور الإخشيدي. وقد أدت هذه الأزمة إلى ارتفاع أسعار الغلال وتراجع الاستقرار المعيشي، ما خلق بيئة قابلة لتقبل أي سلطة قادرة على إعادة النظام.
في هذا السياق، لعبت المؤن التي رافقت الجيش الفاطمي دورًا سياسيًا غير مباشر، إذ لم تُستخدم فقط لدعم الحملة، بل ساهمت في تقديم صورة عن قدرة الدولة الجديدة على إدارة الأزمة. وهنا ظهرت ما يمكن تسميته بـ“الشرعية العملية”، أي الشرعية الناتجة عن القدرة على توفير الأمن والغذاء، وليس فقط عن الانتماء السياسي أو العقائدي.
وبذلك جمع الفاطميون بين:
- الشرعية العقائدية (الإمامة).
- الشرعية السياسية (إسقاط سلطة ضعيفة).
- الشرعية العملية (إدارة الأزمة المعيشية).
جوهر الصقلي وفتح مصر
قاد جوهر الصقلي عملية دخول مصر بوصفها مزيجًا من العمل العسكري والتفاوض السياسي. فلم يعتمد على القوة وحدها، بل لجأ إلى استيعاب النخب المحلية وإعادة تنظيم العلاقة مع مراكز الإدارة القائمة.
وكان من أبرز قراراته إصدار “وثيقة أمان” ضمنت للسكان حماية أرواحهم وممتلكاتهم وشعائرهم، وهو ما خفف من احتمالات المقاومة وسهّل انتقال السلطة بشكل شبه سلس. وبذلك تم الانتقال من دولة إلى أخرى دون انهيار كامل في البنية الإدارية القائمة.
تأسيس القاهرة وإعادة تشكيل مركز السلطة
بعد تثبيت السيطرة، قام جوهر الصقلي بتأسيس القاهرة لتكون العاصمة الجديدة للدولة الفاطمية، في خطوة لم تكن عمرانية فقط، بل سياسية بالأساس. فاختيار موقع العاصمة الجديدة كان تعبيرًا عن رغبة في إنشاء مركز سلطة منفصل عن البنية القديمة في الفسطاط.
كما تم إنشاء الجامع الأزهر ليكون مركزًا للعلم والدعوة، ما جعل المدينة الجديدة ليست فقط مقرًا للحكم، بل أيضًا مركزًا لإنتاج الشرعية الفكرية والدينية للدولة.
نتائج فتح مصر
- تأسيس مدينة القاهرة كمركز سياسي جديد.
- إنشاء الأزهر كمنصة علمية ودعوية.
- انتقال مقر الخلافة الفاطمية إلى مصر.
- توسع النفوذ الفاطمي نحو الحجاز والشام.
- تحول مصر إلى مركز ثقل سياسي وثقافي في العالم الإسلامي.
الخلاصة التحليلية
يكشف هذا المسار أن نجاح الفاطميين لم يكن نتيجة تفوق عسكري فقط، بل نتيجة تفاعل ثلاث دوائر متكاملة: التخطيط المركزي عند المعز، والتنفيذ الميداني عند جوهر الصقلي، والبيئة الاقتصادية المتأزمة في مصر. وعندما تلاقت هذه العناصر، لم يكن الفتح مجرد احتلال، بل إعادة تشكيل لمركز السلطة في العالم الإسلامي.
ملاحظات تحليلية تكميلية: العوامل غير المنظورة في الفتح الفاطمي
السيادة البحرية كعامل دعم استراتيجي
لم يكن الفتح الفاطمي مجرد زحف بري، بل تساند مع حضور بحري فاعل أسهم في تأمين خطوط الإمداد القادمة من إفريقية نحو الساحل المصري. وتشير بعض الدراسات الحديثة إلى أن امتلاك الفاطميين لقدرات بحرية معتبرة في البحر المتوسط قد ساعد في تقليص إمكانات التدخل الخارجي من القوى المنافسة، خاصة العباسيين وحلفائهم، بما أدى إلى نوع من “العزل النسبي” للمسرح المصري خلال لحظة الحسم.
هذا العامل لا يُفهم بوصفه سيطرة بحرية مطلقة، بل بوصفه تفوقاً وظيفياً مؤقتاً في لحظة انتقال السلطة، حيث أصبحت خطوط الاتصال والدعم أكثر أماناً مقارنة بالخصم.
يعقوب بن كلس ونموذج الاختراق النخبوي
يمثل يعقوب بن كلس نموذجاً مبكراً لما يمكن تسميته بـ“الاختراق الإداري عبر النخبة”. فانتقاله من الجهاز الإداري الإخشيدي إلى الدائرة الفاطمية لم يكن مجرد تحول شخصي، بل عملية نقل معرفة مؤسسية دقيقة عن بنية الدولة المصرية المالية والإدارية.
وقد أسهم هذا النوع من “التسرب النخبوي” في تقليص فجوة المعلومات بين المركز الفاطمي في إفريقية ومصر، ما منح المعز لدين الله قدرة أعلى على فهم بنية الدولة المستهدفة قبل دخولها عسكرياً.
العامل البيئي: النيل كعامل ضغط غير مباشر
شهدت السنوات التي سبقت الفتح تقلبات في منسوب نهر النيل، وهو ما انعكس على الإنتاج الزراعي ومستويات الاستقرار المعيشي. ورغم أن هذا العامل لا يُعد سبباً مباشراً في سقوط الدولة، إلا أنه ساهم في إضعاف قدرتها على احتواء الأزمات الداخلية.
في هذا السياق، يمكن فهم العلاقة بين العامل البيئي والقبول الاجتماعي للسلطة الجديدة بوصفها علاقة “تعزيز للأزمة” أكثر من كونها “سبباً حاسماً للسقوط”.
جدول الإحالات التاريخية والشواهد التحليلية
| العامل | الشاهد التاريخي | المصدر/الإحالة | الدلالة التحليلية |
|---|---|---|---|
| السيادة البحرية | نشاط الأسطول الفاطمي في المتوسط | المقريزي – اتعاظ الحنفا | تأمين الإمداد وعزل مصر نسبياً عن الدعم الخارجي |
| السيادة البحرية | المواجهات البحرية مع القوى العباسية والبيزنطية | ابن الأثير – الكامل في التاريخ | إضعاف قدرة التدخل الخارجي في لحظة الفتح |
| الاختراق النخبوي | انضمام يعقوب بن كلس للفاطميين | مصادر فاطمية + دراسات حديثة (Daftary) | نقل معرفة إدارية داخلية حساسة |
| الاختراق الإداري | ضعف الجهاز المالي الإخشيدي | حسن إبراهيم حسن – تاريخ الدولة الفاطمية | تآكل الكفاءة الإدارية للدولة |
| العامل البيئي | تقلبات منسوب النيل في أواخر العصر الإخشيدي | المقريزي + دراسات المناخ التاريخي لمصر | تعميق الأزمة الاقتصادية والمعيشية |
| الشرعية العملية | دخول جوهر الصقلي بالمؤن والتنظيم | المقريزي – اتعاظ الحنفا | تحويل الأزمة إلى قبول اجتماعي للسلطة الجديدة |
خلاصة تحليلية
تُظهر هذه العوامل أن الفتح الفاطمي لم يكن نتيجة عنصر واحد حاسم، بل حصيلة تفاعل مركب بين البنية العسكرية، والاختراق النخبوي، والظروف البيئية، ومستوى الجاهزية المؤسسية للدولة الإخشيدية. ومن هذا المنظور، يمكن فهم نجاح الفاطميين بوصفه انتقالاً تدريجياً من “تفكك الخصم” إلى “اكتمال البنية البديلة”، وليس مجرد غزو عسكري تقليدي.
الخاتمة
يكشف فتح مصر في التجربة الفاطمية أن التحولات التاريخية الكبرى لا تُحسم بالقوة العسكرية وحدها، بل تنشأ عند لحظة تلاقي دقيقة بين التخطيط السياسي طويل المدى، والجاهزية المؤسسية، وتآكل بنية الخصم الداخلية. ففي حالة الفاطميين، لم يكن الانتصار نتيجة تفوق ميداني مباشر، بل حصيلة مسار تراكمي جمع بين بناء القوة في إفريقية، والاختراق التدريجي للداخل المصري، واستثمار لحظة الانهيار التي أعقبت ضعف السلطة الإخشيدية.
ومن هذا التلاقي بين “القوة المنظمة” و“الفراغ السياسي”، لم يظهر مجرد انتقال في السلطة، بل تأسيس مركز حضاري جديد تمثل في القاهرة، التي لم تكن مدينة حكم فقط، بل مشروعًا لإعادة صياغة مركز الثقل السياسي والثقافي في العالم الإسلامي لقرون طويلة.
المراجع والمصادر
أولاً: المصادر والمراجع الأولية
- القاضي النعمان، دعائم الإسلام، دار المعارف، القاهرة، (دون تاريخ دقيق متفق عليه للنشر الحديث – اعتمدت طبعات محققة حديثة).
- ابن الأثير، الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت، 1965م (طبعات متعددة).
- المقريزي، اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1996م (تحقيق حديث).
ثانياً: مراجع تاريخية حديثة عربية
- أحمد أمين، فجر الإسلام، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1965م.
- حسين مؤنس، تاريخ الدولة الفاطمية، دار المعارف، القاهرة، 1981م.
- سعيد عبد الفتاح عاشور، الدولة الفاطمية في مصر، دار النهضة العربية، القاهرة، 1990م.
ثالثاً: مراجع أكاديمية ودراسات حديثة
- Farhad Daftary, The Ismailis: Their History and Doctrines, Cambridge University Press, 2007.
- Heinz Halm, The Empire of the Mahdi: The Rise of the Fatimids, Brill, 1996.
- Paul E. Walker, Exploring an Islamic Empire: Fatimid History and Its Sources, I.B. Tauris, 2002.
رابعاً: دراسات إضافية
- Michael Brett, The Fatimid Empire, Edinburgh University Press, 2017.
- Yaacov Lev, State and Society in Fatimid Egypt, Brill, 1991.

