حين يصبح الشك طريقًا إلى اليقين: ديكارت وهدم الكهف من الداخل
بقلم: عصام وهبه
سلسلة: حارس الكهف (الجزء الثاني)
المشروع: مشروع فلسفي في نقد المعرفة وتفكيك أوهام العقل وبناء الوعي النقدي
"هل يمكن للعقل أن يهدم كل شيء… ثم يجد في داخله ما لا يمكن هدمه؟
مقدمة: من انهيار اليقين الي مشروع ديكارت
بدأت رحلتنا في سلسلة «حارس الكهف» الجزء الاول مع أفلاطون، حيث اكتشفنا كيف يسجن الإنسان نفسه داخل ظلال العالم الموروث. ثم انتقلنا في الجزء الثاني من سلسلة «حارس الكهف» إلى فرانسيس بيكون، الذي كشف لنا عن طبقة أعمق من القيود: "الأصنام"؛ تلك الأوهام التي لا تغلف عقولنا فحسب، بل تتحول إلى مناهج علمية منظمة تبدو في ظاهرها طريقًا إلى الحقيقة، يبينما هي في جوهرها انعكاس لتحيزاتنا.
هنا، وصلنا إلى فكرة أكثر إزعاجًا: إذا كان العقل قد خدع نفسه عبر هذه المناهج، فهل بقي أي طريقٍ آمن نحو اليقين
حين تفقد المعرفة ثقتها في أدواتها، وحين تصبح المناهج ذاتها موضع شك، لا يعود السؤال فلسفيًا مجردًا، بل يتحول إلى أزمة تأسيس كاملة. لم يعد التحدي هو كيفية تنقية العقل من الأوهام فحسب، بل كيف يمكن للعقل أن يبدأ من "الصفر" دون أن يسقط مرة أخرى في شباك الخديعة؟ في هذا السياق الحرج، يبرز مشروع رينيه ديكارت بوصفه محاولة جريئة لإعادة بناء صرح المعرفة على قاعدة صلبة لا تطالها يد الشك.
![]() |
| حارس الكهف: بين شك ديكارت وتأسيس اليقين |
مدخل تاريخي: لماذا احتاجت أوروبا إلى "نقطة يقين"؟
لم يظهر مشروع رينيه ديكارت في فراغٍ فكري، بل وُلد في مرحلة كانت أوروبا تعيد فيها صياغة علاقتها بالمعرفة والعالم. فقد شهد القرنان السادس عشر والسابع عشر تراجع السلطة المعرفية للفلسفة المدرسية، وتفاقم الانقسامات الدينية، وظهور الاكتشافات الجغرافية والفلكية التي زعزعت التصورات التقليدية عن الكون والإنسان. لم تعد المرجعيات القديمة قادرة على تقديم تفسيرٍ متماسك للعالم، فدخل الفكر الأوروبي ما يمكن وصفه بأزمة تأسيس معرفي؛ أزمة لم يكن السؤال فيها: ماذا نعرف؟ فحسب، بل كيف يمكن أن نعرف يقينًا؟
في خضم هذه الأزمة، تشكلت في الفلسفة الحديثة نزعتان متكاملتان، سعت كل منهما إلى معالجة جانب مختلف من المشكلة. الأولى يمثلها فرانسيس بيكون، الذي رأى أن العائق الأكبر أمام المعرفة يكمن في تحيزات العقل وأوهامه، فدعا إلى تحريره من «الأصنام» وإخضاع الطبيعة للملاحظة المنظمة والتجربة. أما الثانية فيمثلها رينيه ديكارت، الذي رأى أن إصلاح أدوات المعرفة لا يكفي ما لم يُبنَ على أساس يقيني يضمن صدق العقل نفسه.
من بيكون إلى ديكارت: من إصلاح المنهج إلى تأسيس اليقين
قد يبدو للوهلة الأولى أن بيكون وديكارت ينتميان إلى مشروعين متعارضين؛ فالأول جعل من التجربة والملاحظة نقطة الانطلاق، بينما جعل الثاني من التأمل العقلي والشك المنهجي أساسًا للمعرفة. غير أن قراءةً أعمق تكشف أن المشروعين يمثلان مرحلتين متكاملتين في تشكل الفكر الحديث.
لقد انشغل بيكون بإصلاح علاقة العقل بالعالم الخارجي؛ فحلّل مصادر التحيز التي تشوّه الإدراك، ووضع المنهج التجريبي بوصفه أداةً لتحرير المعرفة من سلطان الموروث والأحكام المسبقة. إلا أن هذا الإنجاز ترك سؤالًا مفتوحًا: إذا كانت أدوات المعرفة قد أصبحت أكثر دقة، فمن الذي يضمن أن العقل الذي يستخدم هذه الأدوات جدير بالثقة؟
من هنا يبدأ مشروع ديكارت. فهو لا يعارض المنهج التجريبي، بل ينتقل إلى مستوى أكثر عمقًا، حيث تصبح الذات العارفة نفسها موضوعًا للفحص. فالشك عنده ليس غايةً في ذاته، بل وسيلة لاختبار كل ما يمكن الشك فيه، حتى يبلغ حقيقةً أولى يستحيل إنكارها، وهي وجود الذات المفكرة.
وبهذا المعنى، يمثل الانتقال من «أصنام بيكون» إلى «كوجيتو ديكارت» انتقالًا من نقد العوائق التي تشوه المعرفة إلى البحث في الشروط التي تجعل المعرفة ممكنة أصلًا. فإذا كان بيكون يسأل: كيف نرى العالم دون تحيز؟ فإن ديكارت يسأل: كيف نثق في العقل الذي يرى العالم؟ وهكذا وُضعت اللبنات المنهجية الأولى للفلسفة الحديثة، حيث تلاقت صرامة التجربة مع مطلب اليقين العقلي، لتفتح الطريق أمام تطور الفكر العلمي والفلسفي في القرون اللاحقة.
مقارنة تحليلية: مسارا الحداثة المعرفية
| وجه المقارنة | فرانسيس بيكون (المنهج التجريبي) |
رينيه ديكارت (المنهج العقلاني) |
|---|---|---|
| نقطة الانطلاق | إصلاح أدوات المعرفة وتحرير العقل من الأوهام. | البحث عن أساس يقيني لا يمكن الشك فيه. |
| مجال النقد | تحيزات العقل في تعامله مع العالم. | أسس المعرفة والذات العارفة. |
| دور العقل | تنظيم الملاحظة واستخلاص القوانين من التجربة. | بناء المعرفة انطلاقًا من مبادئ يقينية. |
| وظيفة الشك | كشف الأوهام التي تعوق المعرفة. | اختبار إمكان المعرفة وتأسيس اليقين. |
| السؤال المركزي | كيف نتجنب تشويه الواقع؟ | كيف نضمن صدق معرفتنا بالواقع؟ |
| الأثر الفلسفي | إرساء قواعد المنهج التجريبي. | تأسيس العقلانية الحديثة. |
خلاصة منهجية
لا يمثل بيكون وديكارت مسارين متنافسين بقدر ما يمثلان مستويين متكاملين في بناء المعرفة الحديثة. فقد وجّه بيكون اهتمامه إلى إصلاح علاقة العقل بالعالم، بينما انصرف ديكارت إلى تأسيس الثقة في العقل نفسه. ومن خلال هذا التكامل، انتقلت الفلسفة الحديثة من نقد مصادر الخطأ إلى البحث عن شروط إمكان المعرفة، وهو المسار الذي سيجد ذروته النقدية لاحقًا في فلسفة إيمانويل كانط، حين يتحول السؤال من كيف نعرف؟ إلى ما حدود ما يمكن للعقل أن يعرفه؟
وقفة مع النص: «أنا أفكر، إذن أنا موجود»
«أنا أفكر، إذن أنا موجود.»
ليست هذه العبارة مجرد مقولةٍ شهيرة في تاريخ الفلسفة، بل تمثل اللحظة التي عثر فيها رينيه ديكارت على أول حقيقة استعصت على الشك. فلم يبدأ مشروعه باليقين، وإنما بدأ بتعليق كل يقين يمكن أن يتطرق إليه الشك، بحثًا عن حقيقة تبقى ثابتة حتى لو انهار كل شيء آخر.
ولهذا أخضع جميع مصادر المعرفة للاختبار المنهجي:
- الحواس: لأنها قد تخدع الإنسان، وما يثبت خطؤه مرة لا يصلح أساسًا ليقين مطلق.
- العالم الخارجي: لأن التجربة الحلمية قد تبدو مطابقة تمامًا لتجربة اليقظة، فلا يعود التمييز بينهما أمرًا يقينيًا.
- الرياضيات والبديهيات: عبر فرضية «الشيطان الماكر»، الذي يفترض ديكارت – على سبيل الاختبار المنهجي – أنه قادر على تضليل العقل حتى في أبسط الحقائق.
ومع هذا الانهيار المنهجي لكل أشكال المعرفة، يكتشف ديكارت حقيقةً لا يمكن نفيها: فحتى لو كان كل ما أعتقده باطلًا، وحتى لو كانت الحواس والعالم والرياضيات جميعها موضع خداع، فإن فعل الشك نفسه يكشف عن وجود ذاتٍ تمارس هذا الشك. فلا يمكن أن يوجد شك من غير شاك، ولا تفكير من غير ذاتٍ تفكر.
ومن هنا تتولد أول حقيقة يقينية في الفلسفة الديكارتية: وجود الذات المفكرة. لذلك لم يكن الكوجيتو استنتاجًا منطقيًا من مقدمات، بل إدراكًا مباشرًا لحضور الذات وهي تمارس فعل التفكير. فكل محاولة لإنكار وجود الذات تؤكد وجودها في اللحظة نفسها التي تقوم فيها بعملية الإنكار.
لا يثبت ديكارت وجود الإنسان لأنه يفكر، بل يكتشف أن التفكير يكشف بالضرورة عن وجود الذات المفكرة. ولهذا أصبح الكوجيتو نقطة الانطلاق التي أعاد منها بناء مشروعه الفلسفي بأكمله، بعد أن أخضع كل شيء آخر للشك.
عندما يتحول الشك إلى أداة تأسيس
من الأخطاء الشائعة في قراءة رينيه ديكارت اعتبار الشك عنده موقفًا عدميًا أو دعوةً إلى إنكار المعرفة. غير أن الشك الديكارتي ليس غايةً في ذاته، ولا موقفًا دائمًا من العالم، بل هو منهج مؤقت يقصد به اختبار متانة المعتقدات التي يقوم عليها البناء المعرفي.
إنه أشبه بعملية «تنقية معرفية» تستبعد كل ما يمكن أن يتطرق إليه الشك، حتى يبقى ما يستحيل إنكاره. فالغاية ليست هدم المعرفة، بل تحريرها من الأسس الهشة، وإعادة تشييدها على يقين لا يعتمد على العادة أو السلطة أو التقليد، وإنما على وضوح العقل وقدرته على إدراك الحقيقة.
ولهذا لا يقف ديكارت عند لحظة الهدم؛ فالشك عنده مرحلة انتقالية، تنتهي بمجرد العثور على حقيقة تقاوم كل محاولة للإنكار. ومن هذه الحقيقة يبدأ مشروع إعادة بناء المعرفة، بحيث تصبح كل معرفة لاحقة مطالبة بأن تستند إلى أسس واضحة ومتميزة، لا إلى التسليم الموروث أو الثقة العفوية بالحواس.
يمكن القول إن ديكارت لا يهدم الكهف ليبقى في العدم، بل يهدمه ليختبر أساساته. فإذا وجد أن جدرانه قائمة على الوهم، أعاد بناءه من الداخل على حجرٍ لا يزعزعه الشك. ومن هنا يتحول الشك من قوةٍ للهدم إلى شرطٍ لإمكان اليقين، ومن أداةٍ للنفي إلى منهجٍ للتأسيس.
تكمن أصالة المشروع الديكارتي في أن الشك ليس نقيض اليقين، بل الطريق إليه. فاليقين الحقيقي، في نظر ديكارت، ليس ما يسبق الشك، بل ما يبقى قائمًا بعد أن يستنفد الشك كل إمكاناته.
نحو عقل يبدأ من نفسه
في هذه اللحظة، ينتقل مشروع ديكارت من مجرد نقد للمعرفة إلى إعادة بناء أسسها. فبدل أن يبدأ من العالم الخارجي، يبدأ من الداخل: من الذات المفكرة نفسها.
وهنا يحدث التحول الحاسم في تاريخ الفلسفة الحديثة: لم تعد الحقيقة تُطلب في الخارج فقط، بل أصبحت تُبنى أيضًا من داخل العقل، بشرط أن يمر هذا العقل أولًا عبر اختبار الشك.
من بيكون إلى ديكارت: تكامل الهدم والتأسيس
إذا كان فرانسيس بيكون قد حاول تحرير العقل من “الأصنام” التي تشوه إدراكه للعالم الخارجي، فإن رينيه ديكارت ينقل المعركة إلى مستوى أعمق: مستوى اليقين نفسه. لم يعد السؤال عنده هو كيف نلاحظ العالم، بل كيف نضمن أن ما نعتبره معرفة ليس مجرد وهم محكم البناء.
بهذا المعنى يمكن النظر إلى المشروعين لا بوصفهما متعارضين، بل بوصفهما مرحلتين في مسار واحد. بيكون يطهر أدوات الإدراك من التشوهات، بينما ديكارت يختبر أساس الإدراك ذاته. الأول يركز على “كيف نرى؟”، والثاني يسأل: “كيف نثق بأننا نرى أصلًا؟”.
ومن هنا، يتشكل خط فلسفي جديد في تاريخ الفكر الحديث: الانتقال من نقد العالم إلى نقد العقل نفسه، ومن تصحيح المعرفة إلى مساءلة شروط إمكانها.
الشك المنهجي في عصر الاضطراب المعرفي
لا يبدو الشك الديكارتي اليوم مجرد لحظة تاريخية في القرن السابع عشر، بل يبدو أقرب إلى أداة معاصرة لفهم عالم تتدفق فيه المعلومات بلا توقف. ففي عصر الأخبار المتسارعة، والمحتوى الرقمي، والذكاء الاصطناعي، لم تعد المشكلة في ندرة المعرفة، بل في فائضها.
هذا الفائض يخلق نوعًا جديدًا من الالتباس: ليست المشكلة أننا لا نعرف، بل أننا لا نعرف كيف نميز بين ما يمكن الوثوق به وما يجب التوقف عنده. وهنا يصبح الشك المنهجي ضرورة معرفية، لا موقفًا سلبيًا.
لكن هذا الشك لا يعني إنكار كل شيء، بل يعني تعليق الحكم حتى تتضح الأسس. إنه ليس هدمًا للعالم، بل محاولة لفهم شروط صدقه.
ديكارت وهدم الكهف من الداخل
إذا كان أفلاطون قد رسم صورة الإنسان داخل كهف يراقب ظلالًا على الجدار، فإن ديكارت لا يكتفي بمحاولة الخروج من الكهف، بل يبدأ بفحص الجدار نفسه، والضوء، وحتى العين التي ترى.
إنه لا يفترض أن العالم الخارجي خادع فقط، بل يفترض أن أدوات المعرفة ذاتها يمكن أن تكون موضع اختبار. ومن هنا تأتي جرأة المشروع الديكارتي: إعادة بناء اليقين من داخل لحظة انهيار شامل لكل يقين سابق.
لكن هذه العملية لا تنتهي إلى العدم، بل إلى تأسيس أول حقيقة لا يمكن إنكارها: وجود “أنا” تفكر وتشعر وتشُك. وهكذا يتحول الشك من أداة للهدم إلى وسيلة لاكتشاف الذات.
بين اليقين والحدود
غير أن هذا اليقين الديكارتي، رغم قوته التأسيسية، لا يقدم إجابة نهائية عن كل الأسئلة. فهو يؤسس نقطة بداية، لكنه لا يحدد حدود المعرفة الإنسانية بالكامل. ومن هنا تبدأ أسئلة لاحقة ستتطور مع فلاسفة آخرين، حول مدى قدرة العقل على تجاوز ذاته.
إن ديكارت يمنح العقل أساسًا صلبًا، لكنه لا يغلق باب السؤال، بل يفتحه على مرحلة جديدة: كيف نبني معرفة صحيحة من هذا الأساس؟ وكيف ننتقل من يقين الذات إلى يقين العالم؟
خلاصة حارس الكهف: نحو التأسيس التبادلي للمعرفة
لم يكن الشك عند رينيه ديكارت طريقًا إلى العدم، ولا دعوةً إلى هدم المعرفة، بل منهجًا مؤقتًا لإعادة تأسيسها على يقين لا يقوم على العادة أو السلطة أو الوهم. فقد كشف أن أول حقيقة لا يستطيع الشك أن ينال منها هي وجود الذات المفكرة، ومنها يبدأ مشروع إعادة بناء المعرفة بأكمله.
غير أن مشروع «حارس الكهف» يرى أن رحلة المعرفة لا تكتمل إذا توقفت عند العقل وحده، كما لا تكتمل إذا اكتفت بالتجربة وحدها. فتنقية العقل من أوهامه، كما دعا فرانسيس بيكون، وتأسيس اليقين من داخل الذات، كما سعى رينيه ديكارت، يمثلان مرحلتين متكاملتين في مسارٍ واحد، لا طريقين متعارضين.
ومن هذا المنطلق، يقترح المشروع إطارًا تحليليًا نسميه «التأسيس التبادلي»؛ وهو تصور يرى أن المعرفة لا تُبنى داخل العقل بمعزل عن الواقع، ولا تُستمد من الواقع بمعزل عن العقل، بل تنشأ من حوارٍ نقدي دائم بين الذات العارفة والعالم الذي تختبره. فالعقل يراجع تمثلاته باستمرار، والواقع يختبر صدق تلك التمثلات، ومن هذا التفاعل تتكون معرفة أكثر رسوخًا وقدرةً على تصحيح ذاتها.
التركيب المنهجي في مشروع «حارس الكهف»
| وجه المقارنة | فرانسيس بيكون (التجريبية) |
رينيه ديكارت (العقلانية) |
حارس الكهف (التأسيس التبادلي) |
|---|---|---|---|
| نقطة البداية | العالم والتجربة. | الذات المفكرة. | الحوار بين الذات والواقع. |
| وظيفة الشك | كشف الأوهام وإزالة الأصنام. | اختبار أسس المعرفة وتأسيس اليقين. | مراجعة نقدية مستمرة للعقل وتمثلاته. |
| معيار الصدق | التحقق بالتجربة. | الوضوح والتميّز العقلي. | توافق البرهان العقلي مع اختبار الواقع. |
| طبيعة المعرفة | استقراء من الظواهر. | استنباط من المبادئ اليقينية. | بناء نقدي متجدد وقابل للمراجعة. |
| خطر الكهف | الوقوع في أصنام العقل والعادة. | الانغلاق داخل يقين الذات. | التوقف عن النقد والمراجعة المستمرة. |
| الغاية | تحرير العقل لفهم الطبيعة. | تأسيس يقين معرفي. | بناء وعي نقدي يجمع بين العقل والواقع. |
لا يدعو هذا المشروع إلى تبني الشك الديكارتي بوصفه أسلوبًا دائمًا للحياة، ولا إلى الاكتفاء بالتجربة البيكونية بوصفها المصدر الوحيد للمعرفة، بل يقترح ما يمكن تسميته «اليقين المنهجي». فكل فكرة تدخل وعينا ينبغي أن تعبر أولًا عبر بوابة الشك لاختبار اتساقها العقلي، ثم عبر بوابة التجربة لاختبار قدرتها على تفسير الواقع. وعندما تصمد أمام الامتحانين معًا، تكتسب درجةً أعلى من الوثوق، مع بقائها دائمًا قابلةً للمراجعة إذا ظهرت أدلة جديدة.
بهذا المعنى، لا يقتصر الخروج من الكهف على التحرر من الأوهام، بل يصبح ممارسةً نقديةً مستمرة تحرس العقل من الوقوع في يقينٍ زائف. فغاية «حارس الكهف» ليست هدم الموروث ولا تمجيد الشك، وإنما بناء وعيٍ قادر على اختبار أفكاره باستمرار، حتى لا يعود الإنسان أسيرًا لظلال المعرفة، بل حارسًا لبوابة العقل، لا يسمح بالعبور إلا لما اجتاز امتحان النقد وصدق التجربة.
خريطة المشروع (المرحلة الحالية)
| المحطة | السؤال المركزي | النتيجة الفكرية |
|---|---|---|
| أفلاطون | كيف يعيش الإنسان داخل الوهم؟ | العالم قد يكون ظلالًا معرفية. |
| بيكون | كيف يخدع العقل نفسه؟ | الأصنام تشكل إدراكنا للعالم. |
| ديكارت | كيف نصل إلى يقين لا يمكن الشك فيه؟ | الشك المنهجي يؤسس لليقين الأول. |
معجم المصطلحات المستخدمة في الدراسة
| المصطلح | التعريف |
|---|---|
| الشك المنهجي | منهج فلسفي اعتمده رينيه ديكارت يقوم على تعليق الحكم مؤقتًا تجاه كل ما يمكن الشك فيه، بهدف الوصول إلى حقيقة يقينية لا تقبل الإنكار. |
| الكوجيتو (Cogito) | المبدأ الديكارتي «أنا أفكر، إذن أنا موجود»، وهو أول يقين يصل إليه العقل بعد ممارسة الشك المنهجي. |
| الذات المفكرة | الذات التي تدرك وجودها من خلال فعل التفكير، وتمثل نقطة الانطلاق في البناء المعرفي عند ديكارت. |
| اليقين | المعرفة التي تستند إلى أساس لا يمكن نقضه أو التشكيك فيه ضمن شروط البحث الفلسفي. |
| الشيطان الماكر | فرضية فكرية استخدمها ديكارت لاختبار مدى صلابة المعرفة، بافتراض وجود قوة قادرة على تضليل العقل حتى في أوضح البديهيات. |
| العقلانية | اتجاه فلسفي يجعل العقل المصدر الرئيس للمعرفة، ويرى أن المبادئ العقلية تمثل أساس اليقين. |
| التجريبية | اتجاه فلسفي يؤكد أن المعرفة تنشأ من الملاحظة والخبرة الحسية والتجربة المنظمة. |
| أصنام العقل | المصطلح الذي استخدمه فرانسيس بيكون للدلالة على الأوهام والتحيزات التي تشوه إدراك الإنسان للواقع. |
| الوضوح والتميّز | المعيار الذي اعتمده ديكارت للحكم على صدق الأفكار؛ فالفكرة الصادقة هي ما يدركه العقل بوضوح لا لبس فيه وتميز لا يختلط بغيره. |
| التأسيس التبادلي | مفهوم تحليلي يقترحه مشروع «حارس الكهف»، ويرى أن المعرفة تنشأ من تفاعل مستمر بين نقد العقل واختبار الواقع، فلا يستقل أحدهما عن الآخر. |
| اليقين المنهجي | مفهوم في مشروع «حارس الكهف» يشير إلى يقين يخضع باستمرار لاختبار الشك العقلي والتحقق الواقعي، مع بقائه قابلًا للمراجعة إذا ظهرت أدلة جديدة. |
| حارس الكهف | إطار فلسفي نقدي يستخدم الكهف بوصفه استعارة للبنى الذهنية التي تصوغ إدراك الإنسان، ويدعو إلى ممارسة النقد المستمر لحماية الوعي من الأوهام والانحيازات. |
أصنام فرانسيس بيكون: الدراسة السابقة
المصادر والمراجع
أولًا: المصادر الاولية
- ديكارت، رينيه. مقال في المنهج (Discours de la méthode).
- Descartes, René. Meditations on First Philosophy.
- Descartes, René. Principles of Philosophy.
ثانيًا: المراجع العربية
- بدوي، عبد الرحمن. موسوعة الفلسفة.
- بدوي، عبد الرحمن. دراسات في الفلسفة الحديثة.
- زكريا، فؤاد. ديكارت. سلسلة نوابغ الفكر الغربي.
- الشيخ، عثمان أمين. ديكارت والفلسفة العقلية.
ثالثًا: المراجع الأجنبية
- Gilson, Étienne. Descartes: An Introduction to His Philosophy.
- Cottingham, John (ed.). The Cambridge Companion to Descartes. Cambridge University Press.
- Cottingham, John. Descartes. Blackwell Publishers.
- Kenny, Anthony. Descartes: A Study of His Philosophy.
- Williams, Bernard. Descartes: The Project of Pure Inquiry.
- Hatfield, Gary. Routledge Philosophy GuideBook to Descartes and the Meditations.
المراجع الإلكترونية
في الحلقة القادمة
إذا كان ديكارت قد بحث عن نقطة يقين لا يمكن الشك فيها، فإن السؤال التالي سيكون أكثر تعقيدًا: هل يستطيع العقل أن يعرف كل شيء؟ أم أن هناك حدودًا لا يمكن تجاوزها مهما بلغت قوة المنهج؟
هنا يبدأ مشروع إيمانويل كانط، حيث لا يكون السؤال عن اليقين فقط، بل عن حدود المعرفة نفسها.
