المبحث الرابع: البيروقراطية الفاطمية وتحول الدولة إلى مؤسسة في عهد العزيز بالله الفاطمي (365-386هـ / 975-996م)
بقلم الباحث: عصام وهبه
تنويه: سياق المشروع البحثي
يأتي هذا النص تحت عنوان «البيروقراطية الفاطمية وتحول الدولة إلى مؤسسة» بوصفه المبحث الرابع ضمن سلسلتنا البحثية الموسومة بـ «عصر التمكين: قراءة سوسيولوجية في مأسسة الدولة الفاطمية في عهد العزيز بالله (365-386هـ / 975-996م)».
وتُعد هذه السلسلة امتداداً لمشروعنا البحثي السابق «بناء الولاء العسكري في الدولة الفاطمية: دراسة مقارنة مع النموذج العباسي»، الذي تناول آليات بناء القوة العسكرية وإدارة الولاءات داخل الدولة الفاطمية في ضوء التجربة العباسية. أما السلسلة الحالية فتركز على مرحلة أكثر تقدماً من تطور الدولة، وهي مرحلة التحول من منطق الفتح والعصبية إلى منطق المؤسسة والإمبراطورية.
وقد تناول المبحث الأول «مأسسة الشرعية وتحول الخلافة الفاطمية في عهد العزيز بالله» إعادة بناء الشرعية السياسية والعقدية للدولة، بينما ناقش المبحث الثاني «هندسة العصبيات وبناء التوازن العسكري» آليات إدارة التعدد العسكري والإثني داخل الجيش الفاطمي. أما المبحث الثالث «القاهرة وصناعة المركز الإمبراطوري: المدينة كمؤسسة» فقد درس دور العمران والمدينة في إنتاج المركز السياسي والإداري للدولة.
وانطلاقاً من هذه المباحث، يأتي هذا البحث لدراسة البيروقراطية الفاطمية بوصفها الأداة التي ربطت بين الشرعية والعسكر والعمران، وحولت الدولة من كيان يعتمد على القوة المباشرة إلى مؤسسة قادرة على إدارة الموارد والسكان والتنوع الاجتماعي ضمن إطار إداري مستقر.
![]() |
| لوحة تكعيبية الوان اكوريل توضح مظاهر الحياة الفاطمية |
ملخص الدراسة
يتناول هذا المبحث التحول الذي شهدته الدولة الفاطمية في عهد العزيز بالله من بنية سياسية تعتمد على العصبية العسكرية وشرعية الفتح إلى دولة أكثر رسوخاً تقوم على جهاز إداري وبيروقراطي قادر على إدارة الموارد والسكان والتنوع الاجتماعي. ويأتي هذا البحث استكمالاً لمسار بحثي سابق للباحث تناول قضايا الإدارة والدولة في مصر الإسلامية، من خلال دراسات «تكنوقراط الملة: البيروقراطية في مصر الفاطمية»، و«الهيدرولوجيا السياسية للنيل: مقياس الروضة والشرعية في مصر العباسية»، و«دور الأقباط في الإدارة المالية للدولة الطولونية والإخشيدية: دراسة تحليلية مقارنة».
ويركز البحث على دور يعقوب بن كلس في إعادة تنظيم الدواوين والمالية العامة، وعلى سياسات استيعاب الكفاءات القبطية واليهودية داخل الجهاز الإداري للدولة، بوصفها جزءاً من مشروع أوسع لتحويل الإدارة من أداة خدمية إلى مؤسسة حاكمة. كما يناقش العلاقة بين مقياس النيل والجباية الزراعية والشرعية السياسية، ويحلل دور الدواوين التجارية والبحرية في دعم المكانة الاقتصادية للدولة الفاطمية داخل شبكات التجارة الإقليمية والدولية.
ومن منظور سوسيولوجي، يستفيد البحث من مفهوم البيروقراطية العقلانية الذي طوره عالم الاجتماع ماكس فيبر لفهم آليات التحول المؤسسي داخل الدولة الفاطمية، مع الحفاظ على أولوية المصادر التاريخية في تفسير الظاهرة المدروسة. ويسعى المبحث إلى الكشف عن الكيفية التي تحولت بها الإدارة إلى أداة لإعادة إنتاج السلطة وضبط المجتمع وإدارة التنوع، بما أسهم في بناء دولة إمبراطورية مستقرة تجاوزت حدود العصبية العسكرية التقليدية، ورسخت أسس الحكم المؤسسي في مصر الفاطمية.
تمهيد: يعقوب بن كلس وصناعة البيروقراطية الفاطمية
يمثل يعقوب بن كلس إحدى أهم الشخصيات الإدارية في تاريخ الدولة الفاطمية في عهد العزيز بالله، إذ ارتبط اسمه بعملية التحول من دولة قائمة على العصبية العسكرية ومنطق الفتح، إلى دولة أكثر تركيباً تقوم على جهاز بيروقراطي منظم. ويأتي فهم دوره ضمن سياق أوسع لإعادة تشكيل بنية الحكم في مصر الفاطمية، حيث أصبحت الإدارة المالية والدواوين أداة مركزية في إنتاج السلطة واستمرارها.
تشير المصادر التاريخية إلى أن يعقوب بن كلس (ت 380هـ / 991م) نشأ في بيئة يهودية، وتلقى تكويناً إدارياً ومالياً مكّنه من التدرج في وظائف الدولة قبل دخوله الخدمة الفاطمية. وقد عمل في الجهاز الإداري في مصر خلال المرحلة الإخشيدية، مما أتاح له اكتساب خبرة عميقة في نظم الخراج والضرائب وإدارة الحسابات العامة، وهي الخبرة التي شكلت لاحقاً أساس مشروعه الإصلاحي في الدولة الفاطمية.
بعد دخول الفاطميين إلى مصر، برز ابن كلس تدريجياً ضمن دوائر النفوذ الإداري، حتى أصبح من أقرب رجال الدولة إلى الخليفة العزيز بالله. ولم يكن هذا الصعود مجرد انتقال وظيفي، بل كان تعبيراً عن تحول أعمق في بنية الدولة، يقوم على استيعاب الكفاءات الإدارية بغض النظر عن خلفياتها الدينية أو الاجتماعية، بما يعزز مركزية الدولة ويعيد إنتاج الولاء في إطار مؤسسي.
| البند | المعطيات التاريخية | المصادر الأساسية |
|---|---|---|
| الاسم والنسب | يعقوب بن يوسف بن كلس | المقريزي، إتعاظ الحنفا |
| الديانة الأصلية | يهودي الأصل ثم أسلم في مرحلة لاحقة | ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة |
| التكوين الإداري | خبرة في الحسابات والخراج والدواوين قبل الفاطميين | المسبحي؛ المقريزي |
| مرحلة الإخشيديين | عمل في الإدارة المالية للدولة الإخشيدية في مصر | المقريزي؛ ابن زولاق |
| التحاقه بالفاطميين | تقرب من الدولة الفاطمية بعد دخولها مصر ثم أصبح من كبار إدارييها | القاضي النعمان؛ المقريزي |
| الوزارة في عهد العزيز | إدارة الجهاز المالي والديواني وإعادة تنظيم البيروقراطية المركزية | المقريزي، إتعاظ الحنفا |
| الإصلاحات الإدارية | توحيد الدواوين، ضبط الجباية، تطوير النظام المالي المركزي | المسبحي؛ المقريزي |
| استيعاب النخب | دمج الأقباط واليهود في الجهاز الإداري والمالي للدولة | ابن زولاق؛ المقريزي |
| الأثر التاريخي | تأسيس نموذج بيروقراطي مركزي مستقر للدولة الفاطمية | الدراسات الحديثة في تاريخ الفاطميين |
يمكن قراءة تجربة يعقوب بن كلس ضمن إطار سوسيولوجي مقارن يستفيد من مفهوم البيروقراطية العقلانية كما صاغه عالم الاجتماع ماكس فيبر، حيث تقوم السلطة على الكفاءة والتخصص والتراتبية الإدارية بدلاً من العصبية أو الولاء الشخصي. ومع ذلك، فإن هذا الاستخدام يظل أداة تحليلية تفسيرية تهدف إلى إضاءة التجربة التاريخية الفاطمية دون إسقاط النموذج الحديث عليها بصورة مباشرة.
قراءة سوسيولوجية لاختيار يعقوب بن كلس في عهد العزيز بالله
ومن منظور سوسيولوجي تحليلي، يمكن قراءة التحول الإداري في عهد العزيز بالله بوصفه انتقالاً تدريجياً نحو نمط من “العقلنة البيروقراطية” كما صاغها عالم الاجتماع ماكس فيبر، حيث لا تقوم السلطة على العصبية أو الولاء الشخصي فقط، بل على الكفاءة والتخصص والتراتبية الإدارية. وفي هذا السياق، لم يكن اختيار شخصيات إدارية مثل يعقوب بن كلس مجرد قرار فردي، بل تعبيراً عن توجه الدولة نحو بناء جهاز إداري يقوم على الخبرة المهنية كمعيار أساسي في التعيين والترقي.
وتكشف التجربة الفاطمية في هذا المستوى عن انتقال واضح من الشرعية ذات الطابع العسكري–الكاريزمي إلى شرعية ذات طابع مؤسسي عقلاني، حيث أصبحت الدواوين والمالية العامة أداة لإعادة إنتاج السلطة بشكل منتظم ومستقر. كما أسهم دمج النخب الإدارية من خلفيات دينية واجتماعية مختلفة في تعزيز الطابع الوظيفي للدولة، وتقليل أثر الانتماءات الأولية لصالح الانتماء إلى الجهاز الإداري المركزي.
ومع ذلك، فإن توظيف النموذج الفيبري هنا يظل إطاراً تفسيرياً لا إسقاطاً حرفياً، إذ إن البنية التاريخية للدولة الفاطمية احتفظت بخصوصيتها المرتبطة بالشرعية الدينية والإمامية، وهو ما يجعل التجربة أقرب إلى “عقلنة جزئية” للسلطة، لا نموذجاً بيروقراطياً حديثاً مكتمل العناصر. وبذلك يمكن القول إن عهد العزيز بالله مثّل مرحلة تأسيسية مبكرة لتشكل الدولة المؤسسية في مصر الإسلامية، حيث تداخلت فيه عناصر الشرعية الدينية مع منطق الإدارة العقلانية الناشئة.
التكنوقراطية الزراعية وميراث الهيدرولوجيا السياسية: مقياس النيل وإدارة الري في عهد العزيز بالله
في سياق بناء الدولة الفاطمية، لم يكن مقياس النيل مجرد أداة قياس هيدرولوجية، بل كان جزءًا من منظومة أوسع لإنتاج الشرعية عبر تحويل الطبيعة إلى معيار إداري–مالي. وقد أظهرت الدراسة السابقة للباحث «الهيدرولوجيا السياسية للنيل: مقياس الروضة والشرعية في مصر العباسية» أن مقياس النيل يمثل بنية معرفية–سياسية ترتبط مباشرة بإدارة الخراج وتوجيه التوقعات الاقتصادية، حيث يتحول الفيضان إلى لغة حكم قابلة للقياس والتأويل الإداري.
وفي امتداد هذا الإطار، يعكس عهد العزيز بالله الفاطمي مرحلة إعادة توظيف لهذه البنية الهيدرولوجية داخل جهاز بيروقراطي مركزي. فقد جرى ربط مقياس النيل بآليات الدواوين المالية، بحيث يصبح منسوب الفيضان أساسًا مباشرًا لتقدير الإنتاج الزراعي، وتنظيم الجباية، وضبط الدورة الزراعية، مع الاعتماد على البنية القائمة من الترع وشبكات الري دون تغييرات هندسية كبرى.
| العنصر | الدلالة في بحث "الهيدرولوجيا السياسية" | في عهد العزيز بالله | التحول التحليلي |
|---|---|---|---|
| مقياس النيل | أداة إنتاج شرعية عبر قياس الفيضان | أداة مرتبطة مباشرة بالدواوين والخراج | من رمز شرعي إلى أداة إدارية–مالية |
| إدارة المياه | معرفة وسيطة بين الطبيعة والدولة | جزء من الجهاز البيروقراطي المركزي | دمج المعرفة داخل الدولة |
| الري (الترع) | تنظيم مرتبط بالفيضان وتقدير الموارد | إشراف إداري على البنية القائمة | من إنتاج البنية إلى إدارتها |
| الشرعية السياسية | شرعية هيدرولوجية قائمة على الفيضان | شرعية مؤسسية عبر الإدارة المركزية | تحول نحو العقلنة الإدارية |
ويكشف هذا التحول أن مقياس النيل لم يكن مجرد جهاز تقني، بل وسيطًا بين المعرفة الطبيعية والقرار الإداري، وهو ما ينسجم مع نتائج الدراسة السابقة التي أبرزت دور الهيدرولوجيا في تشكيل الشرعية السياسية في مصر الإسلامية. غير أن المرحلة الفاطمية أعادت تنظيم هذه المعرفة داخل جهاز بيروقراطي مركزي أكثر استقرارًا.
ومن منظور سوسيولوجي، يمكن قراءة هذا النمط في إطار “العقلنة الإدارية” كما يشير إليه ماكس فيبر، حيث تتحول الموارد الطبيعية إلى عناصر قابلة للقياس والضبط داخل جهاز دولة مركزي، دون أن تنفصل عن تراكم الخبرة الزراعية المصرية الممتدة تاريخيًا.
وبذلك تتحدد التكنوقراطية الزراعية في عهد العزيز بالله بوصفها إعادة تنظيم للخبرة الهيدرولوجية–الإدارية الموروثة، لا قطيعة معها، مع تحويلها إلى أداة مركزية في إدارة الموارد وإنتاج الاستقرار السياسي.
الجغرافيا التجارية والمخاطر الإقليمية في عهد العزيز بالله
ارتبط النشاط التجاري في عهد العزيز بالله الفاطمي بالموقع الوسيط لمصر بين البحر المتوسط والبحر الأحمر، وهو ما جعل الموانئ الرئيسية مثل الإسكندرية ودمياط نقاط عبور في شبكة تجارة إقليمية واسعة. وقد جرى إدماج هذا النشاط ضمن الجهاز الإداري للدولة عبر الدواوين المالية والجمركية، بما يضمن تنظيم حركة السلع وتحصيل الرسوم، دون أن يعني ذلك استقلالًا للتجارة عن سلطة الدولة.
وفي هذا الإطار، تحركت التجارة الفاطمية داخل بيئة إقليمية تتسم بالتعدد السياسي والتنافس غير المباشر بين قوى كبرى في المجال المتوسطي والإسلامي، مثل الإمبراطورية البيزنطية في الشرق، والمركز العباسي في العراق، إضافة إلى مراكز تجارية أخرى في شرق وغرب المتوسط. وقد انعكس هذا الوضع في ضرورة الحفاظ على استقرار الممرات البحرية والتجارية، باعتبارها جزءًا من أمن الدولة الاقتصادي.
كما واجهت حركة الملاحة والتجارة مجموعة من المخاطر غير المنتظمة، تمثلت في اضطرابات الملاحة الموسمية، واحتمالات القرصنة، وتفاوت الاستقرار في بعض طرق التجارة البحرية. وفي هذا السياق، كان للأسطول البحري وظيفة دفاعية–تنظيمية، تتمثل في حماية السواحل وتأمين الموانئ وضمان استقرار حركة السفن، دون وجود شواهد على توجه توسعي بحري هجومي منظم في هذه المرحلة.
| المجال | الحدود الجغرافية | المخاطر المحتملة | أداة الإدارة/التعامل |
|---|---|---|---|
| البحر المتوسط الشرقي | السواحل المصرية – الشامية – البيزنطية | اضطراب الملاحة – التنافس التجاري – القرصنة | الأسطول البحري + تأمين الموانئ |
| الموانئ المصرية | الإسكندرية – دمياط – مناطق الساحل | تقلبات التجارة – الضغط الضريبي – ازدحام الحركة التجارية | الدواوين الجمركية والإدارية |
| المجال الإسلامي الشرقي | العراق ومراكز النفوذ العباسي | تداخل سياسي غير مباشر – منافسة رمزية على الشرعية | تنظيم التجارة دون احتكاك مباشر |
| طرق البحر الأحمر | مصر – الحجاز – المحيط الهندي | عدم استقرار الملاحة – تفاوت الأمان التجاري | الإشراف الإداري على حركة التجارة |
ويُظهر هذا النمط أن إدارة المجال التجاري في عهد العزيز بالله لم تكن قائمة على توسع خارجي أو مواجهة مباشرة، بل على تنظيم الداخل المصري بما يسمح باستيعاب حركة التجارة الإقليمية داخل جهاز الدولة، مع التعامل مع المخاطر الخارجية بوصفها جزءًا من بيئة اقتصادية غير مستقرة نسبيًا.
الخاتمة التحليلية: الدولة الفاطمية بين عقلنة الشرعية وإدارة الموارد في ضوء مقاربة ماكس فيبر
تكشف المباحث الثلاثة السابقة عن مسار تحولي متدرج في بنية الدولة الفاطمية في عهد العزيز بالله، يقوم على إعادة تنظيم العلاقة بين الشرعية، والعسكر، والاقتصاد، والمجال الحضري. ففي المبحث الأول، جرى تحليل مأسسة الشرعية بوصفها انتقالًا من منطق الدعوة إلى منطق الدولة؛ وفي المبحث الثاني، تم تفكيك هندسة العصبيات العسكرية بوصفها آلية لضبط القوة داخل إطار مركزي؛ بينما تناول المبحث الثالث القاهرة بوصفها “مركزًا إمبراطوريًا” يعيد إنتاج السلطة عبر العمران والإدارة والرمزية السياسية.
وعند قراءة هذا المسار في ضوء مقاربة ماكس فيبر، يمكن فهم الدولة الفاطمية بوصفها تجربة مبكرة في “العقلنة الإدارية للسلطة”، حيث تتجه الدولة تدريجيًا نحو تحويل الموارد المختلفة—سواء كانت شرعية دينية، أو قوة عسكرية، أو فضاءً حضريًا، أو نشاطًا اقتصاديًا—إلى عناصر قابلة للضبط داخل جهاز بيروقراطي مركزي. غير أن هذه العقلنة لا تظهر بشكل نظري مكتمل، بل تتشكل عمليًا عبر أدوات الإدارة والدواوين وتنظيم المجال.
ففي مستوى الشرعية، يتضح انتقالها إلى بنية مؤسسية تُدار عبر جهاز دعوي–سياسي منظم؛ وفي مستوى القوة، يتم إدماج العصبيات العسكرية داخل توازن إداري يمنع استقلالها عن الدولة؛ وفي مستوى المجال الحضري، تتحول القاهرة إلى أداة تنظيم سياسي–اجتماعي لإعادة توزيع السلطة داخل فضاء عمراني مركزي؛ أما في المستوى الاقتصادي، فيتم دمج الزراعة والتجارة والنيل والموانئ داخل منظومة بيروقراطية تجعل من الموارد الطبيعية جزءًا من عملية الحكم.
ومن ثم، لا تبدو الدولة الفاطمية في هذه المرحلة مجرد كيان سياسي قائم على الشرعية الدينية أو القوة العسكرية، بل تظهر بوصفها نموذجًا مركبًا لإدارة المجتمع عبر أدوات تنظيمية متداخلة، حيث يصبح الحكم عملية مستمرة لإعادة إنتاج التوازن بين الموارد والسلطة. وهو ما ينسجم مع التصور الفيبري للدولة الحديثة بوصفها جهازًا عقلانيًا لإدارة العنف والموارد، مع اختلاف السياق التاريخي وغياب اكتمال الشكل البيروقراطي الحديث.
وبذلك يمكن القول إن تجربة العزيز بالله تمثل لحظة مفصلية في تاريخ الدولة الفاطمية، حيث تتقاطع فيها عناصر الشرعية، والعسكر، والعمران، والاقتصاد ضمن مسار واحد يتجه نحو مزيد من التنظيم والعقلنة، دون أن يصل إلى نموذج الدولة الحديثة، لكنه يقترب منه من حيث منطق الإدارة والتجريد المؤسسي للسلطة.
جدول معجم المصطلحات المستخدمة في البحث
| المصطلح | التعريف الإجرائي في البحث | السياق التحليلي |
|---|---|---|
| الشرعية | قدرة السلطة على إنتاج القبول السياسي والاجتماعي عبر الدين والمؤسسة والإدارة | مأسسة الحكم وتحويله من دعوي إلى مؤسسي |
| العقلنة الإدارية | تنظيم الموارد والسلطة وفق قواعد ثابتة قابلة للقياس والضبط | مقاربة ماكس فيبر لفهم تطور الدولة |
| البيروقراطية | جهاز إداري مركزي يعتمد على الدواوين والتسلسل الوظيفي لضبط الموارد | أداة إدارة الدولة الفاطمية |
| العصبية العسكرية | تكتلات القوة المسلحة القائمة على الانتماء أو الولاء غير المؤسسي | تم ضبطها وإدماجها داخل الدولة |
| مقياس النيل | أداة قياس منسوب الفيضان تُستخدم لتقدير الموارد الزراعية والخراج | حلقة وصل بين الطبيعة والسلطة |
| الهيدرولوجيا السياسية | دراسة العلاقة بين إدارة المياه وإنتاج الشرعية السياسية | إطار بحث "الهيدرولوجيا السياسية للنيل" |
| الدواوين | المؤسسات الإدارية والمالية المسؤولة عن تسجيل وإدارة موارد الدولة | أداة مركزية في التنظيم الفاطمي |
| الأسطول البحري | قوة بحرية ذات وظيفة دفاعية وتنظيمية لحماية السواحل والملاحة | جزء من إدارة المجال التجاري البحري |
| المجال الحضري | المدينة بوصفها بنية سياسية–إدارية لإنتاج السلطة وإعادة توزيعها | تحليل القاهرة كمركز إمبراطوري |
| التكنوقراطية الزراعية | إدارة الزراعة والموارد الطبيعية عبر أدوات تقنية وإدارية مركزية | ربط النيل والخراج والدولة |
المصادر والمراجع
أولًا: المصادر الأولية
- ابن زولاق، الحسن بن إبراهيم. فضائل مصر وأخبارها. تحقيق: علي محمد عمر. القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 2004م.
- القاضي النعمان، أبو حنيفة النعمان. افتتاح الدعوة. تحقيق: فرحات الدشراوي. تونس: الشركة التونسية للتوزيع، 1975م.
- القاضي النعمان. دعائم الإسلام. تحقيق: آصف فيض الله. القاهرة: دار المعارف، 1963م.
- المقريزي، تقي الدين أحمد بن علي. اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا. تحقيق: جمال الدين الشيال. القاهرة: المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، 1967–1973م.
- ابن عبد الظاهر، محيي الدين. الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر (يتضمن مواد عن الفاطميين). القاهرة: دار الكتب، طبعات متعددة.
ثانيًا: مراجع عربية حديثة
- أ. فؤاد سيد. الدولة الفاطمية في مصر. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، طبعة 1997م.
- جمال الدين الشيال. تاريخ مصر الإسلامية (الفاطميون). القاهرة: دار المعارف، طبعات متعددة (أحدثها 2000م تقريبًا).
- حسن إبراهيم حسن. تاريخ الدولة الفاطمية. القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، طبعات متعددة.
ثالثًا: مراجع إنجليزية حديثة
- Heinz Halm. The Fatimids and Their Traditions of Learning. London: I.B. Tauris, 1997.
- Heinz Halm. The Empire of the Mahdi: The Rise of the Fatimids. Leiden: Brill, 1996.
- Farhad Daftary. The Ismailis: Their History and Doctrines. Cambridge: Cambridge University Press, 2007 (2nd ed.).
- Paul E. Walker. Exploring an Islamic Empire: Fatimid History and Its Sources. London: I.B. Tauris, 2002.
- Yaacov Lev. State and Society in Fatimid Egypt. Leiden: Brill, 1991.
رابعًا: دراسات وبحوث حديثة إضافية
- Shainool Jiwa. Towards a Shi‘i Mediterranean Empire: The Fatimids of Egypt and North Africa. London: I.B. Tauris, 2009.
- Delia Cortese & Simonetta Calderini. Women and the Fatimids in the World of Islam. Edinburgh: Edinburgh University Press, 2006.
- Hamid Haji (ed./trans.). Founding the Fatimid State: The Rise of an Early Islamic Empire. London: I.B. Tauris / IIS, 2006.
خامساً: المراجع الإلكترونية
- افتتاح الدولة القاضي النعمان بن محمد تحقيق فرحات الدشراوي
- اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء – المقريزي تحقيق جمال الشال
- الكامل في التاريخ – ابن الأثير ج7 تحقيق د/ عمر عبد السلام تدمري
- نهاية الأرب في فنون الأدب - النويري
- النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ابن تغري بردي (ت 874هـ)
- مروج الذهب ومعادن الجوهرالمسعودي (ت 346هـ)
- مقدمة ابن خلدون (كتاب العبر) – عبد الرحمن بن خلدون
