المبحث الخامس: الجيش الفاطمي وتحولات التوازن العسكري في عهد المستنصر بالله
بقلم عصام وهبهتنويه منهجي
يندرج هذا المبحث ضمن مشروع بحثي متكامل لدراسة عهد المستنصر بالله الفاطمي من منظور التاريخ السياسي والاجتماعي والمؤسسي، ويختص بتحليل المؤسسة العسكرية بوصفها أحد أهم مرتكزات الدولة الفاطمية. ولا يهدف إلى إعادة سرد الوقائع العسكرية أو المعارك، وإنما يسعى إلى دراسة الجيش باعتباره مؤسسة سياسية وإدارية واقتصادية ارتبطت بصورة وثيقة بشرعية الحكم واستقرار السلطة المركزية.
ويركز البحث على التحولات البنيوية التي شهدها الجيش الفاطمي منذ مرحلة التوازن المؤسسي في العقود الأولى من حكم المستنصر بالله، مروراً باختلال العلاقة بين الفرق العسكرية وتفاقم الأزمة المالية، وصولاً إلى الشدة المستنصرية وما ترتب عليها من تفكك المؤسسة العسكرية، ثم مشروع بدر الجمالي في إعادة بناء الجيش والدولة. ومن ثم فإن الجيش يُدرس هنا باعتباره مفتاحاً لفهم تطور الدولة الفاطمية خلال القرن الخامس الهجري، لا باعتباره موضوعاً عسكرياً منفصلاً عن بقية مؤسساتها.
ويعتمد هذا المبحث على قراءة تحليلية تجمع بين المصادر التاريخية الأولى والدراسات الحديثة، مع توظيف عدد من المداخل النظرية في علم الاجتماع التاريخي وتحليل الدولة بوصفها أدوات تفسيرية تساعد على فهم طبيعة التحولات المؤسسية، دون إسقاط مفاهيمها الحديثة بصورة حرفية على الواقع التاريخي الفاطمي.
|
| لوحة تكعيبية تجريدية لأمير الجيوش بدر الجمالي |
ارتباط هذا المبحث بالسلسلة البحثية
| المبحث | موضوعه وعلاقته بالبحث الحالي |
|---|---|
| المبحث الأول | انتقال السلطة ووصاية «رصد» |
| المبحث الثاني | المرأة والسلطة في الدولة الفاطمية |
| المبحث الثالث | الدولة الفاطمية في عصر القوة والتوسع |
| المبحث الرابع | الدعوة الفاطمية وشبكات المعرفة من دسترة الإمامة إلى عالمية الدعوة |
السلاسل البحثية السابقة
يسبق هذا المبحث أربعة أبحاث مستقلة، شكّلت معاً الإطار التراكمي لفهم عهد المستنصر بالله، بينما يتناول البحث الحالي المؤسسة العسكرية باعتبارها محور التحول بين مرحلة القوة ومرحلة الأزمة ثم إعادة بناء الدولة.
| م | عنوان سلسلة الابحاث |
|---|---|
| 1. السلسلة الاولي | عهد المعز لدين الله الفاطمي |
| 2. السلسلة الثانية | عهد العزيز باللة الفاطمي |
| 3 . السلسلة الثالثة | عهد الخاكم بأمر الله الفاطمي |
| 4. السلسلة الرابعة | عهد الظاهر لإعزاز دين الله الفاطمي |
المحور الأول: الجيش الفاطمي بين البناء والتوازن المؤسسي
مدخل تاريخي
شكّل الجيش الفاطمي أحد الأعمدة الرئيسة التي استندت إليها الدولة في تثبيت سلطتها منذ نشأتها، ولم يكن مجرد قوة عسكرية للدفاع عن الحدود أو مواجهة الخصوم، بل مؤسسة سياسية وإدارية واقتصادية ارتبطت بصورة مباشرة باستقرار الخلافة واستمرارها. ومع انتقال الفاطميين إلى مصر وتأسيس القاهرة، تطور الجيش ليواكب اتساع الدولة، فأصبح مسؤولاً عن حماية العاصمة، وتأمين الأقاليم، وصيانة طرق التجارة، وتأمين النفوذ الفاطمي في الشام والحجاز والبحر المتوسط.
ولتحقيق هذا الدور، انتهجت الدولة سياسة تقوم على توزيع القوة بين مكونات عسكرية متعددة، مع ربطها بمنظومة مالية وإدارية تضمن استمرار ولائها للمركز. وقد نجحت هذه السياسة خلال العقود الأولى من عهد المستنصر بالله في الحفاظ على قدر من التوازن، إلا أنها حملت في داخلها عوامل هشاشة ستظهر بوضوح مع تراجع الموارد المالية وتصاعد المنافسة بين القيادات العسكرية.
البنية المؤسسية للجيش الفاطمي
| المؤسسة | الاختصاص | وظيفتها في استقرار الدولة |
|---|---|---|
| الخليفة | القيادة العليا للجيش. | مصدر الشرعية ووحدة القرار العسكري. |
| الوزارة | الإشراف الإداري والمالي. | تنظيم العلاقة بين الجيش والدواوين. |
| قادة الفرق العسكرية | إدارة الوحدات القتالية. | تنفيذ السياسة العسكرية وحفظ الأمن. |
| ديوان الجيش | السجلات والأعطيات والتعيينات. | ضبط التنظيم المؤسسي للمؤسسة العسكرية. |
| نظام الرزق والقطائع | تمويل الجند والقادة. | تحقيق الاستقرار الاقتصادي للمؤسسة العسكرية. |
أولاً: الجيش الفاطمي وبناء الدولة
تطور الجيش الفاطمي من قوة ارتبطت ببدايات الدولة في المغرب إلى مؤسسة عسكرية مركزية بعد الانتقال إلى مصر، حيث فرضت طبيعة الدولة الإمبراطورية إعادة تنظيم القيادة والفرق العسكرية بما يتلاءم مع اتساع المجال السياسي وتنوع الأقاليم. وأصبح الجيش جزءاً من البناء الإداري للدولة، لا يقتصر دوره على العمليات القتالية، بل يشارك في حماية النظام العام، وتأمين طرق التجارة، وضمان استقرار السلطة المركزية.
وقد اعتمدت الدولة على جهاز إداري متخصص لتنظيم شؤون الجيش، شمل تسجيل الجند، وتنظيم الأعطيات، والإشراف على القيادات، بما يعكس انتقال المؤسسة العسكرية من مرحلة العصبية إلى مرحلة التنظيم المؤسسي.
ثانياً: التعددية العسكرية وسياسة التوازن
اعتمد الفاطميون على جيش متعدد العناصر ضم المغاربة، والأتراك، والسودانيين، ثم الأرمن في مراحل لاحقة، ولم يكن هذا التنوع نتيجة التوسع السياسي فحسب، بل كان جزءاً من سياسة هدفت إلى منع احتكار القوة من قبل جماعة واحدة، والمحافظة على توازن يسمح للخليفة بالاحتفاظ بموقعه بوصفه المرجعية العليا لجميع الفرق العسكرية.
ومن منظور سوسيولوجي، يمكن فهم هذه البنية بوصفها حالة من الولاء المتعدد؛ إذ لم يكن الجندي أو القائد مرتبطاً بالدولة وحدها، بل ظل يحمل في الوقت نفسه انتماءه إلى جماعته العسكرية أو العرقية. وقد أوجد هذا الوضع توازناً خلال فترات الاستقرار، لأن كل قوة كانت تحد من نفوذ الأخرى، غير أن هذا التوازن كان هشاً بطبيعته، إذ سرعان ما تحولت الانتماءات الجزئية إلى مراكز منافسة عندما ضعفت قدرة الدولة على إدارة الموارد وتوزيعها بصورة عادلة.
| العنصر العسكري | أبرز خصائصه | موقعه في سياسة التوازن |
|---|---|---|
| المغاربة | الارتباط التاريخي بقيام الدولة الفاطمية. | مثلوا النواة العسكرية الأولى. |
| الأتراك | الخبرة العسكرية والتنظيمية. | تعزيز الكفاءة القتالية والقيادة. |
| السودانيون | الارتباط الوثيق بالقصر. | تحقيق التوازن مع القوى العسكرية الأخرى. |
| الأرمن | الانضباط والخبرة العسكرية. | سيبرز دورهم لاحقاً مع إصلاحات بدر الجمالي. |
وتكشف هذه السياسة أن قوة الجيش لم تكن قائمة على التفوق العددي وحده، بل على إدارة دقيقة للعلاقات بين مكوناته المختلفة، وهي سياسة نجحت في حماية الدولة خلال مرحلة الازدهار، لكنها أصبحت أكثر عرضة للاهتزاز كلما تراجعت قدرة السلطة المركزية على ضبط التوازن بين تلك القوى.
ثالثاً: الجيش بوصفه مؤسسة اقتصادية
لم يقم الجيش الفاطمي على القوة العسكرية وحدها، بل استند إلى منظومة اقتصادية متكاملة هدفت إلى ضمان استقرار الجند وربط مصالحهم باستقرار الدولة. وإلى جانب الأعطيات النقدية التي كانت تصرفها الخزانة، اعتمدت الدولة على نظام الرزق والقطائع العسكرية، وهو نظام منح بموجبه عدد من القادة والجند حق الانتفاع بإيرادات أراضٍ أو موارد مالية في بعض الأقاليم، بما يوفر لهم دخلاً مستقراً ويخفف العبء عن بيت المال.
ولم تكن هذه القطائع مجرد امتيازات مالية، بل مثلت آلية لإدماج المؤسسة العسكرية في البناء الاقتصادي للدولة، إذ أصبح بعض القادة مسؤولين عن إدارة موارد محلية وجباية إيراداتها وفق الإطار الذي تحدده السلطة المركزية. وقد أسهم هذا النظام في ترسيخ الولاء خلال فترات الاستقرار، لأن استمرار المنافع الاقتصادية كان مرتبطاً باستمرار الدولة نفسها.
غير أن هذه الآلية حملت في داخلها عناصر هشاشة بنيوية؛ إذ أدى تراجع الإيرادات الزراعية والمالية، واضطراب الإدارة في بعض الأقاليم، إلى انخفاض قيمة الرزق والقطائع، فتقلصت الموارد التي كانت تعتمد عليها الفرق العسكرية. ومع ازدياد اعتماد الجند على الأعطيات النقدية، أصبحت الخزانة المركزية عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها، الأمر الذي مهّد لظهور أزمة الرواتب وتمرد الجند، وهي التطورات التي ستبلغ ذروتها خلال الشدة المستنصرية.
رابعاً: فلسفة التوازن المؤسسي
اعتمدت الدولة الفاطمية على مبدأ التوازن أكثر من اعتمادها على تركيز القوة في يد جماعة واحدة. فقد حرصت السلطة على توزيع المناصب والقيادات والموارد بين الفرق العسكرية المختلفة، بما يمنع احتكار القرار العسكري ويُبقي الخليفة في موقع الحكم بين مراكز القوة. وقد أسهم هذا التوازن في حماية الدولة خلال العقود الأولى من حكم المستنصر بالله، حيث بقيت المؤسسة العسكرية جزءاً من البناء المؤسسي العام للدولة.
لكن نجاح هذه السياسة كان مشروطاً باستمرار قدرة الدولة على إدارة الموارد والمحافظة على حيادها بين القوى العسكرية. ومع تراجع الإمكانات المالية، لم يعد توزيع الأعطيات والقطائع يتم وفق معايير مستقرة، بل بدأ يخضع لضغوط الصراع بين القيادات، فتحول التوازن تدريجياً إلى تنافس، ثم إلى مواجهة مفتوحة بين الفرق العسكرية المختلفة.
خامساً: الجيش بين المؤسسة والهوية
تكشف التجربة الفاطمية أن التعددية العسكرية لم تكن سبباً مباشراً للأزمة، بل كانت في بدايتها أحد عناصر قوة الدولة، لأنها وفرت تنوعاً في الخبرات ومنعت احتكار القوة. غير أن هذه التعددية ارتبطت أيضاً بهويات عرقية وتنظيمية ظل أفرادها يحتفظون بها داخل المؤسسة العسكرية، فأصبح الانتماء إلى الجماعة العسكرية يمثل مصدراً للحماية والمصالح إلى جانب الانتماء إلى الدولة.
ومع ضعف السلطة المركزية، أخذت هذه الانتماءات تكتسب وزناً أكبر في توجيه السلوك السياسي والعسكري، فتحولت المنافسة بين الفرق إلى صراع على النفوذ والموارد. ومن ثم لم يعد الجيش يعمل بوصفه مؤسسة واحدة، بل بوصفه تجمعاً لكتل عسكرية متنافسة، الأمر الذي أضعف قدرة الدولة على احتكار القوة، ومهد الطريق أمام الأزمات التي ستعالجها الدولة لاحقاً من خلال إصلاحات بدر الجمالي وإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس جديدة.
خلاصة المحور
يتبين أن الجيش الفاطمي كان مؤسسة عسكرية وسياسية واقتصادية متكاملة، استندت إلى إدارة دقيقة للتوازن بين العناصر المختلفة، وإلى نظام مالي قائم على الأعطيات والرزق والقطائع. وقد أسهم هذا البناء في دعم قوة الدولة خلال مرحلة الاستقرار، لكنه جعل المؤسسة العسكرية شديدة الحساسية تجاه أي اضطراب اقتصادي أو إداري، فتحول اختلال التوازن المالي إلى اختلال في بنية الجيش نفسه. ووفقاً للمنظور الذي يقدمه تشارلز تيلي، يمكن النظر إلى هذه التجربة بوصفها محاولة لدمج المؤسسة العسكرية في عملية بناء الدولة، إلا أن تداخل القوة العسكرية بالموارد الاقتصادية جعل من أزمة الجيش مقدمة لأزمة الدولة بأكملها، وهي النتيجة التي ستتجلى بوضوح خلال الشدة المستنصرية وصعود بدر الجمالي لإعادة بناء السلطة المركزية.
المحور الثاني: رصد والجيش... من إدارة التوازن إلى بدايات الانقسام
مدخل تاريخي
أدّى انتقال السلطة إلى المستنصر بالله سنة 427هـ/1036م وهو في سن مبكرة إلى بروز القصر الفاطمي بوصفه المركز الفعلي لإدارة الدولة خلال مرحلة الوصاية. وفي هذا السياق اضطلعت رصد، أم المستنصر بالله، بدور محوري في الحفاظ على استقرار الحكم، ولم يقتصر نفوذها على شؤون البلاط، بل امتد إلى المؤسسة العسكرية باعتبارها الضامن الرئيس لاستمرار السلطة المركزية. ولم يكن الهدف إنشاء موازين قوى جديدة، وإنما المحافظة على التوازن القائم بين الفرق العسكرية المختلفة، بما يضمن عدم انفراد أي قوة بالقرار السياسي.
غير أن استمرار هذا التوازن كان مرتبطاً بقدرة الدولة على إدارة الموارد وتوزيع النفوذ بين القيادات العسكرية. ومع تزايد الضغوط المالية والإدارية خلال العقود اللاحقة، بدأت تظهر بوادر اختلال داخل المؤسسة العسكرية، فتحولت سياسة التوازن تدريجياً إلى منافسة بين مراكز القوة، وهو ما مهد للأزمة التي ستشهدها الدولة خلال الشدة المستنصرية.
تطور العلاقة بين القصر والمؤسسة العسكرية
| المرحلة | سياسة القصر | النتيجة داخل الجيش |
|---|---|---|
| بداية الوصاية | الحفاظ على التوازن بين الفرق العسكرية. | استمرار الاستقرار المؤسسي. |
| تعاظم نفوذ رصد | الاعتماد على أهل الثقة والوسطاء. | زيادة تأثير القصر في التعيينات والاتصال بقيادات الجيش. |
| تعزيز بعض الفرق العسكرية | المحافظة على توازن القوى داخل الجيش. | بداية التنافس بين القيادات العسكرية. |
| الأزمة المالية | تراجع القدرة على تمويل المؤسسة العسكرية. | ضعف الانضباط وتصاعد الصراع على الموارد. |
أولاً: رصد وإدارة المؤسسة العسكرية
لم تتولَّ رصد قيادة الجيش بصورة مباشرة، إلا أن موقعها داخل القصر منحها تأثيراً واضحاً في إدارة العلاقة بين الخليفة والوزارة والقيادات العسكرية. فقد كانت المحافظة على استقرار الجيش شرطاً لاستمرار الوصاية وحماية شرعية الخليفة الصغير، ولذلك اتجهت سياسة القصر إلى تجنب تركيز النفوذ في يد قائد واحد، والعمل على إبقاء التوازن بين القوى العسكرية المختلفة.
وقد أسهم هذا النهج في الحفاظ على الاستقرار خلال السنوات الأولى من حكم المستنصر بالله، حين بقيت المؤسسة العسكرية خاضعة للإطار المؤسسي للدولة، ولم تتحول بعد إلى قوة مستقلة عن السلطة المركزية.
ثانياً: أهل الثقة والخصيان والوساطة العسكرية
اعتمدت رصد على شبكة من أهل الثقة والخصيان وكبار خدم القصر بوصفهم وسطاء بين البلاط والقيادات العسكرية، ولم يكن دور هؤلاء تنفيذ الأوامر فحسب، بل نقل الأخبار، ورصد موازين القوى، وتسهيل الاتصال بين القصر وقادة الجند، بما يضمن سرعة اتخاذ القرار في أوقات الأزمات.
وتكشف هذه الوساطة عن طبيعة الحكم داخل القصر الفاطمي، حيث لم تكن السلطة تمارس دائماً عبر القنوات الرسمية، وإنما من خلال شبكات نفوذ شخصية ارتبطت بالثقة والولاء، وأسهمت في دعم قدرة القصر على متابعة المؤسسة العسكرية دون التدخل المباشر في قيادتها.
ثالثاً: دعم الجند السودانيين وسياسة موازنة القوى
تشير المصادر إلى أن رصد أولت عناية خاصة بالجند السودانيين، وهو ما فُسِّر في كثير من الدراسات باعتباره محاولة لتقوية فئة عسكرية بعينها. غير أن قراءة التطورات في سياقها السياسي توحي بأن هذا التوجه كان جزءاً من سياسة تهدف إلى المحافظة على التوازن بين الفرق المختلفة، ومنع احتكار القوة من جانب أي عنصر عسكري منفرد.
إلا أن استمرار هذا النهج ارتبط بقدرة الدولة على ضبط العلاقة بين تلك القوى. ومع تراجع الموارد المالية، بدأت المنافسة تتحول إلى استقطاب، وأصبح الانتماء إلى الفرقة العسكرية مصدراً للحماية والمصالح، الأمر الذي أضعف الانتماء المؤسسي للجيش وأعاد تشكيل الولاءات داخله.
| الفرقة العسكرية | العلاقة بالقصر | الدور السياسي |
|---|---|---|
| المغاربة | ارتباط تاريخي بالدولة. | تراجع نفوذهم تدريجياً. |
| الأتراك | علاقة متغيرة وفق موازين القوى. | تعاظم الدور العسكري. |
| السودانيون | علاقة وثيقة بالقصر. | تحولوا إلى أحد أهم عناصر التوازن العسكري. |
| الأرمن | وجود محدود في هذه المرحلة. | سيبرز دورهم مع إصلاحات بدر الجمالي. |
رابعاً: من التوازن إلى بدايات الانقسام
لم يكن اختلال المؤسسة العسكرية نتيجة قرار سياسي منفرد، بل حصيلة تفاعل بين الضغوط الاقتصادية، وتراجع نظام الأعطيات والرزق، وتزايد التنافس بين القيادات العسكرية. ومع ضعف قدرة الدولة على إدارة هذا التوازن، بدأت الفرق العسكرية تتصرف باعتبارها مراكز نفوذ مستقلة، وهو ما أدى إلى تراجع احتكار الدولة للقوة، ومهّد الطريق للأزمة التي ستبلغ ذروتها خلال الشدة المستنصرية.
خلاصة المحور
تكشف هذه المرحلة أن رصد نجحت في الحفاظ على قدر من الاستقرار خلال سنوات الوصاية الأولى، مستفيدة من مؤسسات القصر وشبكات أهل الثقة وسياسة التوازن بين الفرق العسكرية. غير أن هذا التوازن ظل مرتبطاً بقدرة الدولة على تمويل الجيش وإدارة موارده، ومع تراجع هذه القدرة تحولت المؤسسة العسكرية تدريجياً من أداة لحماية النظام إلى أحد أبرز ميادين الصراع على السلطة. ومن ثم فإن جذور الأزمة العسكرية لم تبدأ مع الشدة المستنصرية، وإنما تشكلت بصورة تدريجية منذ اختلال التوازنات المؤسسية التي حكمت العلاقة بين القصر والجيش في العقود الأولى من عهد المستنصر بالله.
المحور الثالث: الأزمة المالية ونهب القصر... الاقتصاد السياسي لانهيار المؤسسة العسكرية
مدخل تاريخي
لم تكن الأزمة العسكرية التي شهدتها الدولة الفاطمية في النصف الثاني من عهد المستنصر بالله نتيجة خلافات بين الفرق العسكرية فحسب، وإنما جاءت تعبيراً عن أزمة مالية وإدارية عميقة أصابت بنية الدولة ذاتها. فقد أدى تراجع الموارد المالية، واضطراب الإدارة، وانخفاض إيرادات الأقاليم، إلى عجز الخزانة عن الوفاء بالتزاماتها تجاه الجيش، وهو ما انعكس مباشرة على استقرار المؤسسة العسكرية، لتتحول من أداة لحماية النظام إلى أحد أبرز عوامل تفككه.
ومن ثم لا يمكن فهم أحداث الشدة المستنصرية ونهب القصر الفاطمي بوصفها مجرد أعمال تمرد عسكري، بل باعتبارها نتيجة مباشرة لاختلال العلاقة بين الاقتصاد والجيش والسلطة، حيث فقدت الدولة قدرتها على تمويل المؤسسة التي كانت تحتكر بها القوة وتحافظ من خلالها على وحدة المجال السياسي.
مراحل تطور الأزمة الاقتصادية والعسكرية
| المرحلة | التحول الاقتصادي | النتيجة العسكرية | الأثر السياسي |
|---|---|---|---|
| تراجع الإيرادات | انخفاض موارد الخزانة والضرائب. | اضطراب تمويل الجيش. | بداية ضعف السلطة المركزية. |
| انهيار نظام الرزق والقطائع | تآكل الموارد المحلية للجند. | الاعتماد الكامل على الرواتب النقدية. | تصاعد الضغوط على بيت المال. |
| تعثر صرف الأعطيات | عجز الدولة عن الوفاء بالالتزامات. | تزايد التذمر والانقسام بين الفرق. | تراجع هيبة الحكومة. |
| نهب القصر | تفكك المنظومة المالية للدولة. | تحول الجيش إلى قوة منفلتة. | انهيار مركزية السلطة. |
أولاً: الأزمة المالية وبداية الاختلال المؤسسي
اعتمدت الدولة الفاطمية في تمويل مؤسساتها على منظومة مالية معقدة ارتبطت بإيرادات الزراعة والتجارة والضرائب، إضافة إلى نظام الرزق والقطائع العسكرية. غير أن تراجع هذه الموارد نتيجة الاضطرابات الإدارية والسياسية أدى إلى تقلص قدرة الدولة على تمويل الجيش، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على تماسك المؤسسة العسكرية.
ولم يعد الخلل مقتصراً على نقص الأموال، بل تحول إلى أزمة مؤسسية مست مختلف أجهزة الدولة، إذ أصبحت الخزانة عاجزة عن المحافظة على انتظام الأعطيات التي شكلت أحد أهم أسس العلاقة بين السلطة والجند.
ثانياً: انهيار نظام الرزق والقطائع
كان نظام الرزق والقطائع يمثل الدعامة الاقتصادية للمؤسسة العسكرية، إذ وفر للجند والقادة مورداً مستقراً خفف من اعتمادهم على الخزانة المركزية. ومع تراجع الإنتاج الزراعي واضطراب الإدارة في الأقاليم، فقد هذا النظام كثيراً من فاعليته، وتحولت القطائع إلى موارد محدودة لا تكفي لتغطية احتياجات أصحابها.
وبذلك انتقلت الأزمة من الأطراف إلى المركز، إذ أصبحت القاهرة مطالبة بتمويل جيش ضخم لم تعد موارد الدولة قادرة على إعالته، وهو ما أدى إلى تضخم الضغوط المالية وتصاعد حالة الاحتقان داخل المؤسسة العسكرية.
ثالثاً: أزمة الرواتب وتحول الولاء العسكري
أدى تأخر صرف الأعطيات إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الجندي والدولة. فبعد أن كان الولاء مرتبطاً بالمؤسسة المركزية، بدأ كثير من الجند يبحثون عن الحماية والمصالح داخل فرقهم العسكرية أو لدى قادتهم المباشرين. ومن ثم تحولت الأزمة الاقتصادية إلى أزمة ولاء، حيث أصبحت الروابط الفئوية أكثر تأثيراً من الانتماء إلى الدولة نفسها.
وتكشف هذه المرحلة أن انهيار الانضباط العسكري لم يكن ناتجاً عن ضعف العقوبات أو غياب القيادة، بل عن فقدان الدولة قدرتها على الوفاء بالالتزامات التي قامت عليها العلاقة بين السلطة والمؤسسة العسكرية.
رابعاً: نهب القصر وانهيار هيبة الدولة
يمثل نهب القصر الفاطمي إحدى أكثر اللحظات دلالة في تاريخ الدولة، لأنه يعكس انتقال الأزمة من المجال المالي إلى المجال السياسي والرمزي. فلم يكن القصر مجرد مقر للحكم، بل رمزاً لهيبة الخلافة ومركزاً لإدارة الدولة، ولذلك فإن الاعتداء عليه كشف عن انهيار قدرة السلطة المركزية على حماية نفسها قبل حماية المجتمع.
كما أدى نهب خزائن القصر ومقتنياته إلى فقدان الدولة جانباً مهماً من مواردها ورمزيتها، وأصبح الجيش الذي أُنشئ لحماية السلطة أحد أهم العوامل التي أسهمت في إضعافها، لتدخل الدولة مرحلة غير مسبوقة من الاضطراب المؤسسي.
خامساً: الاقتصاد السياسي لانهيار المؤسسة العسكرية
تكشف هذه الأزمة أن المؤسسة العسكرية لم تكن منفصلة عن الاقتصاد، بل كانت جزءاً من بنيته. فكلما ضعفت الموارد المالية، تراجعت قدرة الدولة على إدارة الجيش، وكلما اختلت العلاقة بين التمويل والسلطة، ازداد احتمال تحول القوة العسكرية إلى قوة مستقلة عن الدولة. ومن ثم فإن انهيار الجيش لم يكن سبباً للأزمة فحسب، بل كان أيضاً نتيجة مباشرة لاختلال البنية الاقتصادية والإدارية للدولة الفاطمية.
خلاصة المحور
يتضح أن الشدة المستنصرية لم تبدأ بتمرد الجند، وإنما بدأت بانهيار الأسس الاقتصادية التي قامت عليها المؤسسة العسكرية. فقد أدى تراجع الإيرادات، وانهيار نظام الرزق والقطائع، وتعثر صرف الأعطيات، إلى إعادة تشكيل الولاءات داخل الجيش، ثم إلى نهب القصر وانهيار هيبة السلطة المركزية. ووفقاً لمنظور تشارلز تيلي، فإن احتكار الدولة للقوة يرتبط بقدرتها على تمويل مؤسساتها، وعندما فقدت الدولة الفاطمية هذه القدرة، أصبح انهيار الجيش تعبيراً عن أزمة الدولة نفسها، وهو ما مهّد الطريق لإعادة بناء السلطة على يد بدر الجمالي في المرحلة اللاحقة.
المحور الرابع: الجيش ومراكز القوى... من المؤسسة العسكرية إلى الفاعل السياسي
مدخل تاريخي
إذا كانت الأزمة المالية قد أضعفت البنية الاقتصادية للمؤسسة العسكرية، فإن المرحلة التالية شهدت تحولاً أكثر خطورة، تمثل في انتقال الجيش من كونه أداة بيد الدولة إلى فاعل سياسي ينافسها على القرار. ومع تراجع سلطة الخليفة والوزارة، لم تعد القيادات العسكرية تكتفي بتنفيذ السياسة، بل أصبحت تشارك في صياغتها، وأحياناً فرضها بالقوة، الأمر الذي أدخل الدولة الفاطمية في مرحلة من التنافس بين مراكز النفوذ داخل القصر وخارجه.
ولم يكن هذا التحول حدثاً مفاجئاً، بل جاء نتيجة تراكمات بدأت مع اختلال التوازن بين الفرق العسكرية، ثم تعمقت بفعل الأزمة الاقتصادية، حتى فقدت الدولة تدريجياً احتكارها للعنف المشروع، وأصبحت السلطة موزعة بين قيادات متنافسة، لكل منها أتباعها ومصالحها ومجال نفوذها.
تحول الجيش إلى مراكز قوى
| المرحلة | طبيعة الجيش | العلاقة بالدولة | النتيجة |
|---|---|---|---|
| مرحلة الاستقرار | مؤسسة عسكرية مركزية. | خاضعة للخليفة والوزارة. | استقرار السلطة. |
| بداية الأزمة | تنافس بين القيادات. | تراجع الرقابة المركزية. | ضعف التوازن المؤسسي. |
| الشدة المستنصرية | تحالفات عسكرية متنافسة. | مراكز نفوذ مستقلة. | تفكك السلطة المركزية. |
| ما قبل بدر الجمالي | انقسام المؤسسة العسكرية. | غياب القيادة الموحدة. | شلل الدولة. |
أولاً: تراجع احتكار الدولة للقوة
تقوم الدولة المستقرة على احتكار وسائل القوة وتنظيم استخدامها من خلال مؤسساتها الرسمية. إلا أن الدولة الفاطمية، مع اتساع الأزمة، بدأت تفقد هذه القدرة تدريجياً، بعدما أصبحت القيادات العسكرية تمتلك نفوذاً مستقلاً عن السلطة المركزية، وتحرك أتباعها وفق مصالحها الخاصة أكثر من التزامها بالقرار الرسمي.
وأدى هذا الوضع إلى إضعاف موقع الخليفة والوزارة، إذ لم يعد تنفيذ القرار السياسي مضموناً ما لم يحظ بدعم القوى العسكرية المؤثرة، وهو ما غيّر طبيعة العلاقة بين السلطة والجيش بصورة جذرية.
ثانياً: القيادات العسكرية وصناعة القرار السياسي
لم يعد دور قادة الجيش يقتصر على إدارة العمليات العسكرية، بل امتد إلى التدخل في شؤون الحكم، والمشاركة في تعيين كبار المسؤولين، والتأثير في توجهات الوزارة، وأحياناً فرض خياراتهم بالقوة. وأصبحت موازين القوى العسكرية عاملاً رئيسياً في تحديد مسار القرار السياسي داخل الدولة.
ويكشف ذلك عن انتقال الجيش من مؤسسة وظيفية إلى فاعل سياسي، بحيث أصبحت المنافسة بين القيادات العسكرية جزءاً من عملية إدارة الدولة نفسها، لا مجرد خلافات داخل المؤسسة العسكرية.
ثالثاً: التعددية العسكرية والصراع على النفوذ
ساهم التنوع العرقي داخل الجيش، الذي كان في مرحلة القوة أحد عناصر التوازن، في تعميق الأزمة عندما تراجعت قدرة الدولة على إدارة هذا التنوع. فقد تحولت الانتماءات العسكرية إلى أطر للتنافس على الموارد والمناصب، وأصبح كل فريق يسعى إلى توسيع نفوذه داخل مؤسسات الدولة، الأمر الذي زاد من حدة الاستقطاب وأضعف وحدة الجيش.
| القوة العسكرية | هدفها في مرحلة الأزمة | الأثر السياسي |
|---|---|---|
| الأتراك | تعزيز النفوذ العسكري. | تصاعد المنافسة داخل الجيش. |
| السودانيون | الحفاظ على موقعهم داخل القصر. | زيادة الاستقطاب بين الفرق. |
| المغاربة | استعادة النفوذ التقليدي. | تراجع التأثير السياسي. |
| القيادات المحلية | تعزيز السيطرة الإقليمية. | إضعاف مركزية الدولة. |
رابعاً: القصر بين الضبط والتفاوض
مع اتساع نفوذ القيادات العسكرية، لم يعد القصر قادراً على إدارة الجيش بالأوامر وحدها، بل أصبح مضطراً إلى التفاوض المستمر مع مراكز القوة المختلفة للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار. وبذلك تحولت العلاقة بين السلطة والجيش من علاقة قيادة وتنفيذ إلى علاقة تفاوض ومساومة سياسية.
وتكشف هذه المرحلة عن تراجع واضح في قدرة المؤسسات المركزية على فرض إرادتها، وهو ما يعكس عمق الأزمة البنيوية التي أصابت الدولة قبل ظهور مشروع الإصلاح العسكري بقيادة بدر الجمالي.
خامساً: من تعدد مراكز القوة إلى الحاجة لإعادة بناء الدولة
أثبتت تجربة الشدة المستنصرية أن استمرار الدولة لم يعد ممكناً في ظل جيش منقسم وقيادات متنافسة ومؤسسات عاجزة عن احتكار القوة. ومن ثم أصبحت الحاجة إلى إعادة بناء المؤسسة العسكرية شرطاً لإعادة بناء الدولة نفسها، وهو ما يفسر ظهور منصب أمير الجيوش بصلاحيات استثنائية، ويمهد لفهم الإصلاحات التي سيقودها بدر الجمالي في المرحلة التالية.
خلاصة المحور
تكشف هذه المرحلة أن الأزمة لم تكن أزمة جيش فحسب، بل أزمة سلطة ومؤسسات. فكلما تراجعت قدرة الدولة على احتكار القوة، ازداد نفوذ القيادات العسكرية، وتحولت المؤسسة العسكرية إلى ساحة للتنافس السياسي. ومن منظور علم الاجتماع السياسي، فإن انتقال الجيش من أداة للدولة إلى منافس لها يمثل أحد أبرز مؤشرات ضعف الدولة الوسيطة، ويجعل إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية المدخل الأساسي لاستعادة الاستقرار السياسي، وهو ما تحقق لاحقاً مع مشروع بدر الجمالي.
المحور الخامس: بدر الجمالي وإعادة بناء الجيش والدولة
مدخل تاريخي
بلغت الدولة الفاطمية خلال الشدة المستنصرية مرحلة غير مسبوقة من التفكك السياسي والعسكري، حيث فقدت السلطة المركزية سيطرتها على أجزاء واسعة من البلاد، وانقسم الجيش إلى قوى متنافسة، وتراجعت هيبة الخلافة أمام نفوذ القادة العسكريين. وفي هذا السياق استدعى الخليفة المستنصر بالله بدر الجمالي، والي عكا وقائد جيوشها، سنة 466هـ/1074م، ومنحه صلاحيات استثنائية لإعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة الأمن. ولم يكن مشروع بدر الجمالي مجرد حملة عسكرية لإخماد الاضطرابات، بل مثّل مشروعاً شاملاً لإعادة تأسيس السلطة المركزية على أسس مؤسسية جديدة.
إعادة بناء الدولة: من الأزمة إلى الاستقرار
| الأزمة | إجراءات بدر الجمالي | النتيجة |
|---|---|---|
| انقسام الجيش | إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية. | استعادة وحدة القيادة. |
| الصراع بين الفرق العسكرية | إعادة توزيع مراكز القوة. | تقليص الصراعات الداخلية. |
| ضعف الإدارة | إصلاح الدواوين وتعزيز المركزية. | استعادة كفاءة مؤسسات الدولة. |
| تدهور الأمن | فرض الأمن في القاهرة والأقاليم. | عودة الاستقرار السياسي. |
| تراجع هيبة الخلافة | ربط الجيش مباشرة بالخليفة. | إعادة إنتاج الشرعية السياسية. |
أولاً: أمير الجيوش وتحول القيادة العسكرية
مثّل منح بدر الجمالي لقب أمير الجيوش تحولاً جوهرياً في بنية الدولة الفاطمية، إذ جمع بين القيادة العسكرية والإدارة السياسية، بما أتاح له معالجة الأزمة بصورة شاملة. وقد منحته هذه الصلاحيات القدرة على إعادة تنظيم الجيش، وإعادة ضبط العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة المركزية، بعد سنوات من الانقسام والتنافس.
ثانياً: إعادة هندسة المؤسسة العسكرية
لم يكتفِ بدر الجمالي بإعادة ترتيب القيادات العسكرية، بل عمل على إعادة تشكيل بنية الجيش نفسها. فحرص على بناء قوة أكثر تماسكاً وانضباطاً، مع تقليص نفوذ القيادات التي ارتبطت بصراعات المرحلة السابقة، وإقامة هيكل عسكري يقوم على الولاء للمؤسسة والدولة بدلاً من الولاءات الفئوية التي مزقت الجيش خلال الشدة المستنصرية.
وتشير المصادر إلى أن بدر الجمالي اعتمد بصورة متزايدة على العناصر الأرمنية التي رافقته، ليس انطلاقاً من اعتبارات عرقية، بل لأنها كانت ترتبط بولائها المباشر لقيادته ولم تكن طرفاً في الصراعات التقليدية بين الأتراك والسودانيين والمغاربة. وبذلك سعى إلى إنشاء نواة عسكرية جديدة أكثر انضباطاً وأقل ارتباطاً بالاستقطابات السابقة.
ثالثاً: استعادة احتكار الدولة للقوة
كان الهدف الرئيس لإصلاحات بدر الجمالي إعادة احتكار الدولة للقوة، بعدما أصبحت القيادات العسكرية تمارس نفوذاً مستقلاً عن السلطة. ولذلك أعاد تنظيم القيادة العسكرية، وأخضع الفرق المختلفة لسلطة مركزية موحدة، وربط القرار العسكري مباشرة بمؤسسات الحكم، بما أدى إلى تقليص قدرة مراكز النفوذ على فرض إرادتها خارج إطار الدولة.
رابعاً: الإصلاح الإداري والمالي
أدرك بدر الجمالي أن إصلاح الجيش لا يمكن أن يتحقق من دون إصلاح الإدارة والمالية العامة. لذلك أعاد تنظيم الدواوين، وعمل على تحسين جباية الموارد، وإعادة ضبط الإنفاق، وتأمين الموارد اللازمة للمؤسسة العسكرية. وقد ساعد هذا الإصلاح على استعادة انتظام الأعطيات، وتقليل دوافع التمرد داخل الجيش، وربط استقراره مجدداً باستقرار الدولة.
خامساً: بدر الجمالي وإعادة إنتاج الدولة الفاطمية
لم تمثل إصلاحات بدر الجمالي نهاية للأزمة فحسب، بل شكلت بداية مرحلة جديدة في تاريخ الدولة الفاطمية، انتقلت فيها من نموذج يقوم على التوازن بين مراكز القوى إلى نموذج أكثر مركزية يعتمد على قيادة عسكرية قوية تدعمها إدارة أكثر انضباطاً. وقد حافظت هذه الإصلاحات على بقاء الدولة لعقود لاحقة، رغم استمرار بعض التحديات البنيوية التي لم تختف بصورة كاملة.
خلاصة المحور
تكشف تجربة بدر الجمالي أن معالجة الأزمة الفاطمية لم تتحقق بالقوة العسكرية وحدها، وإنما بإعادة بناء العلاقة بين الجيش والإدارة والمالية والشرعية السياسية. فمن خلال إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية، واستعادة احتكار الدولة للقوة، وإصلاح الجهاز الإداري، نجح في إعادة تأسيس السلطة المركزية وإنهاء مرحلة الشدة المستنصرية. ومن منظور تشارلز تيلي، يمكن فهم هذه الإصلاحات بوصفها عملية لإعادة بناء الدولة عبر إعادة بناء مؤسستها العسكرية، بينما يوضح منظور ماكس فيبر أن استعادة احتكار العنف المشروع كانت المدخل الأساسي لاستعادة شرعية السلطة واستقرارها.
الخاتمة التحليلية
تكشف الدراسة أن المؤسسة العسكرية الفاطمية لم تكن جهازاً قتالياً منفصلاً عن بنية الدولة، بل كانت جزءاً من منظومة سياسية واقتصادية وإدارية متكاملة، ارتبط استقرارها باستقرار السلطة المركزية، كما ارتبط اختلالها باختلال منظومة الحكم بأكملها. فمنذ العقود الأولى من عهد المستنصر بالله، استطاعت الدولة الحفاظ على توازن دقيق بين مكونات الجيش المختلفة، مستندة إلى شرعية الخلافة، وكفاءة الجهاز الإداري، ونظام الأعطيات والرزق والقطائع، إلا أن هذا التوازن بدأ يتآكل تدريجياً مع تفاقم الأزمات المالية والإدارية.
وقد أظهرت الدراسة أن التعددية العسكرية لم تكن في ذاتها سبباً للأزمة، بل كانت إحدى أدوات إدارة الدولة خلال مرحلة القوة، غير أن ضعف الموارد المالية، وتراجع قدرة السلطة المركزية على ضبط العلاقة بين الفرق العسكرية، حوّل هذا التنوع إلى مصدر للاستقطاب والتنافس، حتى فقدت الدولة احتكارها للقوة، وأصبحت القيادات العسكرية تمثل مراكز نفوذ مستقلة تنازع السلطة المركزية صلاحياتها.
كما بينت الدراسة أن الشدة المستنصرية لم تكن حادثة منفصلة أو نتيجة تمرد عسكري عابر، وإنما كانت حصيلة تراكمات سياسية واقتصادية ومؤسسية بدأت قبل ذلك بسنوات، حيث أدى انهيار نظام الرزق والقطائع، وتعثر صرف الأعطيات، وتراجع الموارد العامة، إلى إعادة تشكيل ولاءات الجند، وانهيار الانضباط العسكري، وصولاً إلى نهب القصر الفاطمي بوصفه رمزاً لانهيار هيبة الدولة.
وفي المقابل، مثلت إصلاحات بدر الجمالي نقطة تحول مفصلية في تاريخ الدولة الفاطمية، إذ لم تقتصر على إعادة تنظيم الجيش، بل شملت إعادة بناء الإدارة، واستعادة المركزية، وإحياء القدرة المالية للدولة، بما مكّن السلطة من استعادة احتكار القوة وإعادة إنتاج الشرعية السياسية. ومن ثم فإن نجاح بدر الجمالي لا يمكن تفسيره بوصفه نجاح قائد عسكري فحسب، بل باعتباره نجاح مشروع مؤسسي لإعادة بناء الدولة بعد مرحلة من التفكك البنيوي.
خلاصة تطبيق الإطار النظري
| الإطار النظري | تطبيقه في البحث | النتيجة التحليلية |
|---|---|---|
| ماكس فيبر (الشرعية واحتكار السلطة) |
تحليل العلاقة بين شرعية الخليفة واحتكار الدولة للقوة العسكرية. | تراجعت الشرعية السياسية كلما ضعفت قدرة الدولة على السيطرة على الجيش. |
| نوربرت إلياس (مجتمع البلاط) |
تحليل العلاقة بين القصر والوزارة والقيادات العسكرية. | أظهر القصر الفاطمي شبكة معقدة من التوازنات ومراكز النفوذ. |
| تشارلز تيلي (بناء الدولة والحرب) |
تحليل ارتباط الجيش بالمالية العامة وبناء مؤسسات الدولة. | كشف أن انهيار المؤسسة العسكرية كان انعكاساً لأزمة الدولة، وأن إعادة تنظيم الجيش كانت مدخلاً لإعادة بناء السلطة. |
| بيير بورديو (رأس المال الرمزي) |
تحليل هيبة الخلافة والقصر باعتبارهما مصدرين للسلطة الرمزية. | مثّل نهب القصر انهياراً للرمزية السياسية إلى جانب الانهيار العسكري. |
الاستنتاج العام
يخلص هذا المبحث إلى أن أزمة الجيش الفاطمي في عهد المستنصر بالله لم تكن أزمة عسكرية بالمعنى الضيق، وإنما أزمة دولة أصابت بنيتها المؤسسية والاقتصادية والسياسية. فقد أدى اختلال العلاقة بين الموارد والجيش والسلطة إلى تقويض مركزية الدولة، بينما مثّل مشروع بدر الجمالي محاولة ناجحة لإعادة دمج المؤسسة العسكرية في مشروع إعادة بناء الدولة. وبذلك تمثل تحولات الجيش الفاطمي مفتاحاً أساسياً لفهم الانتقال من مرحلة القوة والاستقرار إلى مرحلة الشدة المستنصرية، ثم إلى إعادة تأسيس الدولة الفاطمية في النصف الثاني من عهد المستنصر بالله، وهو ما يمهد للمبحث التالي من هذه السلسلة البحثية.
المبحث السابق اضعط هنا
معجم المصطلحات المستخدمة في البحث
| المصطلح | التعريف الإجرائي في البحث |
|---|---|
| المؤسسة العسكرية | البنية التنظيمية التي ضمت الجيش وقياداته ودواوينه، وشكلت الأداة الرئيسة لحماية الدولة الفاطمية وحفظ الأمن الداخلي والخارجي. |
| التوازن العسكري | السياسة التي انتهجتها الدولة الفاطمية لتحقيق التوازن بين الفرق العسكرية المختلفة ومنع احتكار القوة من قبل فئة واحدة. |
| التعددية العسكرية | تكوين الجيش من عناصر عرقية وإثنية متعددة، مثل المغاربة والأتراك والسودانيين والأرمن، ضمن إطار الدولة الفاطمية. |
| الولاء المتعدد | مفهوم تحليلي يشير إلى تداخل الولاء للدولة مع الولاء للفرقة العسكرية أو القائد، بما يفسر طبيعة العلاقات داخل الجيش الفاطمي أثناء الأزمات. |
| الرزق | الأعطيات أو الموارد المالية والعينية التي تخصصها الدولة للجند والقادة لضمان استقرارهم واستمرار خدمتهم. |
| القطائع العسكرية | إقطاعات أو موارد مالية وأراضٍ تمنح لبعض العسكريين مقابل خدمتهم، وتعد جزءاً من النظام المالي للمؤسسة العسكرية. |
| الأعطيات | الرواتب والمخصصات الدورية التي تصرفها الدولة للجند وقادة الجيش من بيت المال. |
| ديوان الجيش | الجهاز الإداري المسؤول عن تسجيل الجند، وتنظيم الأعطيات، والإشراف على الشؤون المالية والإدارية للمؤسسة العسكرية. |
| الشدة المستنصرية | الأزمة السياسية والاقتصادية والعسكرية التي شهدتها الدولة الفاطمية في النصف الثاني من عهد المستنصر بالله، وأدت إلى انهيار مؤسسات الدولة وتفكك الجيش. |
| نهب القصر | الاعتداء على القصر الفاطمي والاستيلاء على محتوياته خلال الشدة المستنصرية، بوصفه مؤشراً على انهيار هيبة السلطة المركزية. |
| أمير الجيوش | منصب عسكري وسياسي رفيع جمع بين القيادة العسكرية والإدارة العليا للدولة، وتجسد بصورة واضحة في تجربة بدر الجمالي. |
| احتكار القوة | قدرة الدولة على السيطرة الحصرية على استخدام القوة المسلحة من خلال مؤسساتها الرسمية. |
| الشرعية السياسية | الأساس الذي تستند إليه السلطة الفاطمية في ممارسة الحكم، من خلال الإمامة والمؤسسات والإدارة العسكرية. |
| مراكز القوى | القيادات والفرق العسكرية التي امتلكت نفوذاً مستقلاً عن السلطة المركزية خلال مراحل الأزمة. |
| إعادة بناء الدولة | مجموعة الإصلاحات العسكرية والإدارية والمالية التي قادها بدر الجمالي لاستعادة مركزية السلطة وإنهاء آثار الشدة المستنصرية. |
| الاقتصاد السياسي | مدخل تحليلي يدرس العلاقة المتبادلة بين الموارد المالية والمؤسسات العسكرية واستقرار السلطة داخل الدولة الفاطمية. |
المصادر والمراجع
أولاً: المصادر الأولية
- ابن الأثير، عز الدين. الكامل في التاريخ. بيروت: دار صادر.
- ابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. بيروت: دار الكتب العلمية.
- سبط ابن الجوزي، يوسف بن قز أوغلي. مرآة الزمان في تواريخ الأعيان. دمشق: دار الرسالة العالمية.
- ابن خلكان، شمس الدين. وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان. بيروت: دار صادر.
- ابن عساكر، علي بن الحسن. تاريخ مدينة دمشق. دمشق: دار الفكر.
- ابن مسكويه. تجارب الأمم. بيروت: دار الكتب العلمية.
- المسبحي، محمد بن عبيد الله. أخبار مصر. (فيما بقي من نصوصه المنشورة والمقتبسة في المصادر اللاحقة).
- المقريزي، تقي الدين أحمد بن علي. اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء. تحقيق: جمال الدين الشيال. القاهرة: المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية.
- المقريزي، تقي الدين أحمد بن علي. المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار. القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية.
ثانياً: المراجع العربية
- حسن إبراهيم حسن. تاريخ الدولة الفاطمية. القاهرة: مكتبة النهضة المصرية.
- محمد جمال الدين سرور. الدولة الفاطمية. القاهرة: دار الفكر العربي.
- أيمن فؤاد سيد. المجتمع المصري في العصر الفاطمي. القاهرة: الدار المصرية اللبنانية.
- أيمن فؤاد سيد. القاهرة: خططها وتطورها العمراني. القاهرة: مكتبة زهراء الشرق.
- جمال الدين الشيال. الدولة الفاطمية: تفسير جديد. الإسكندرية: منشأة المعارف.
ثالثاً: المراجع الأجنبية
- Heinz Halm. The Empire of the Mahdi: The Rise of the Fatimids. Leiden: Brill.
- Heinz Halm. The Fatimids and Their Traditions of Learning. London: I.B. Tauris.
- Paul E. Walker. Exploring an Islamic Empire: Fatimid History and Its Sources. London: I.B. Tauris.
- Paul E. Walker. Caliph of Cairo: al-Hakim bi-Amr Allah. Cairo: The American University in Cairo Press.
- Farhad Daftary. The Ismāʿīlīs: Their History and Doctrines. Cambridge: Cambridge University Press.
- Michael Brett. A History of the Fatimid Caliphs. Edinburgh: Edinburgh University Press.
- Delia Cortese. The Fatimid Caliphate: Diversity of Traditions. London: I.B. Tauris.
رابعاً: المراجع النظرية والمنهجية
- Max Weber. Economy and Society. University of California Press.
- Norbert Elias. The Court Society. Blackwell.
- Charles Tilly. Coercion, Capital, and European States. Blackwell.
- Pierre Bourdieu. Language and Symbolic Power. Harvard University Press.
خامساً:المراجع الإلكترونية
- المقريزي، اتعاظ الحنفا
- ابن الأثير، الكامل في التاريخ
- النويري، نهاية الأرب
- يحيى الأنطاكي، تاريخ يحيى بن سعيد
- دعائم الإسلام القاضي النعمان المغربي
- المجالس المؤيدية
- تاريخ الدولة الفاطمية الدكتور :محمد جمال الدين سرور
- الفاطميون قراءة مختلفة في تاريخ ملتبس د/ ابراهيم بيضون
- الحياة العلمية في مصر الفاطمية خالد القاضي
- تاريخ الفاطميين في شمالي إفريقية ومصر وبلاد الشام
- JSTOR – الدراسات الأكاديمية حول الفاطميين والإسماعيلية.
- ماكس فيبر. العلم والسياسة بوصفهما حرفة. ترجمة: جورج كتورة.
- ماكس فيبر. مفاهيم أساسية في علم الاجتماع. ترجمة: صلاح هلال.
- ميشيل فوكو. المراقبة والمعاقبة.
- Henri Lefebvre. The Production of Space.
- كليفورد غيرتز. تفسير الثقافات. ترجمة: د. محمد بدوي.
- The court society Norbert Elias
- عيون الأخبار وفنون الآثار إدريس عماد الدين