هندسة النسيان: بحث عصام وهبه حول جامع ابن طولون وأسبرطة

 

هندسة النسيان: لماذا بقيت أثينا وجامع ابن طولون وفنيت أسبرطة و القطائع؟

بقلم عصام وهبه 

المقدمة: سؤال لا يخص الماضي فقط

لماذا بقي جامع أحمد بن طولون أكثر من ألف عام، بينما هدمت القطائع خلال عقود قليلة؟

السؤال يبدو تاريخياً، لكنه في جوهره بنيوي: 

ما الذي يجعل حجراً يصمد، وآخر يمحى؟ 

ليست القوة العسكرية، ولا حتى النية الدينية وحدها، بل كيفية بناء المعنى داخل المادة. فالتاريخ لا يحفظ ما كان أقوى، بل ما كان أكثر قابلية للاستمرار داخل الزمن.

فرضية هذا المقال بسيطة وحاسمة:

ما يبنى كسلطة مغلقة يمحى، وما يبني كوظيفة مفتوحة يعاد دمجه.

لوحة تكعيبية بالأكوريل  تقارن بين أسبرطة  والدولة الطولونية، مجسدة مئذنة ابن طولون الباقية و محارب أسبرطة المهزوم فوق أطلال مدينة القطائع، كتشريح سيميائي لعمارة السلطة مقابل عمارة المعنى.

لوحة تكعيبية بالأكوريل تجسّد صمود "المعنى" في جامع ابن طولون وأثينا مقابل فناء "السلطة" في القطائع وأسبرطة .

 

المبحث الأول: السيكولوجيا العسكرية وصناعة النخبة المعزولة

1. النموذج الأسبرطي – إعادة إنتاج المواطن كمحارب 

في أسبرطة تشكل النموذج السياسي منذ المرحلة الكلاسيكية المبكرة على أساس دمج الفرد داخل المؤسسة العسكرية، بحيث أصبح المواطن يعاد إنتاجه عبر نظام الأغوجي بوصفه محارباً أولاً وأخيراً. هذا التكوين لم يكن مجرد تدريب عسكري، بل إعادة صياغة كاملة للبنية الاجتماعية، حيث تراجعت الحياة المدنية لصالح منطق الانضباط الجماعي، وتكوّنت طبقة مواطنين-محاربين منفصلة نسبياً عن الأغلبية التابعة التي تؤمن البنية الاقتصادية للدولة. ومع الوقت، أنتج هذا النموذج كتلة عسكرية صلبة لكنها محدودة القدرة على التوسع الاجتماعي أو التكيف البنيوي، ما جعلها عرضة للانكسار عند اختلال ميزان القوة، كما حدث بعد معركة لوكترا.

2. النموذج الطولوني – فصل القوة عن المجتمع

في المقابل، نشأت الدولة الطولونية في القرن التاسع الميلادي ضمن سياق ضعف السلطة العباسية، فاعتمدت على جيش منفصل عن المجتمع المحلي يتكون من عناصر تركية ومملوكية ترتبط مباشرة بمركز الحكم، دون أن تكون جزءًا عضوياً من البنية الاجتماعية المصرية. وفي الوقت نفسه، استمر جهاز إداري محلي في إدارة الشؤون اليومية، ما خلق ازدواجية بين سلطة عسكرية وافدة وبنية اجتماعية مستقرة نسبياً. وتمركز هذا النموذج في مدينة القطائع بوصفها فضاء سياسياً منفصلاً عن المجال الحضري التقليدي.

3. النتيجة البنيوية المشتركة

ورغم اختلاف الساقين، فإن البنية النهائية في الحالتين تكشف منطقاً واحداً: إنتاج قوة عسكرية عالية الكفاءة لكنها منفصلة أو متعالية عن المجتمع الذي يفترض أن يدعمها. ومع غياب قاعدة اجتماعية قادرة على إعادة إنتاج السلطة، يصبح استمرار الكيان مرهوناً ببقاء المركز السياسي نفسه، فإذا اختل هذا المركز انهارت البنية أو فقدت قدرتها على الاستمرار التاريخي.

المبحث الثاني: سيمياء المكان – القطائع كمدينة سلطة

حين ترك أحمد بن طولون الفسطاط، لم يكن يبحث عن توسعة عمرانية، بل عن فصل سياسي. فبنى القطائع على جبل يشكر، لا كمدينة، بل كـ منصة سيطرة.

المدينة لم تخطط لتعيش، بل لتدار. قسمت إلى قطاعات عرقية: أتراك، سودان، روم. هذا ليس تنوعاً، بل هندسة لمنع الاحتكاك. الارتفاع لم يكن جمالياً، بل أداة: من يرى أكثر، يسيطر أكثر.

حتى الملوية، التي تستحضر سامراء، لم تكن مجرد تقليد، بل بيان سياسي بالحجر: نحن هنا، لكننا لسنا تابعين.

القطائع، إذن، لم تكن مدينة. كانت نصاً سلطوياً معلقاً.

المبحث الثالث: جدلية البقاء والفناء – تحليل سيميائي

يمثل هذا الجزء محاولة لتحويل الفروق بين النموذجين إلى بنية دلالية قابلة للقراءة، حيث لا تفهم المدينة ككيان عمراني فقط، بل كنظام إشارات يعكس تصور السلطة لنفسها وللمجتمع. الجدول التالي لا يقارن بين تفاصيل شكلية، بل يكشف كيف تتحول عناصر التخطيط (الأسوار، المركز، الارتفاع) إلى علامات سياسية تعبر عن منطقين مختلفين في إنتاج العمران والسلطة.

العنصر القطائع أسبرطة الدلالة السياسية
الأسوار تحصين كثيف غياب التحصين خوف داخلي مقابل ثقة بالانضباط
المركز جامع + ملوية فضاء ندي توحيد رمزي مقابل توزيع السلطة
الارتفاع جبل يشكر سهل مفتوح سيطرة بصرية مقابل اندماج

التحليل

في القطائع، كل شيء يشير إلى التحكم: تحصين، عزل، مراقبة. في أسبرطة، رغم غياب الأسوار، كان الانضباط بديلاً عن الجدران.

لكن النموذجين يشتركان في شيء أخطر: الانغلاق. القطائع مغلقة عمرانياً، وأسبرطة مغلقة اجتماعياً.

والانغلاق، مهما كان شكله، هو إعلان غير مباشر عن نهاية مؤجلة.

المبحث الرابع: سر البقاء الحضاري – المدن التي تعيش

في المقابل، لم تكن أثينا ولا الفسطاط نتاج قرار سلطوي مفاجئ، بل تراكم بطيء. مدن تنمو من الداخل، لا تفرض من الأعلى.

البقاء هنا لا يأتي من القوة، بل من الوظيفة: سوق، سكن، تفاعل، تبادل. هذه المدن لا تحتاج إلى حماية مستمرة، لأنها مستخدمة باستمرار.

أما القطائع، فكانت “قشرة” بلا “أحشاء”. مدينة بلا مجتمع، وبالتالي بلا مستقبل.

المبحث الخامس: المهندس كفاعل خفي

هنا يظهر العنصر الذي غالباً ما يهمل: سعيد بن كاتب الفرغاني

لم يكن هذا الرجل مجرد منفذ، بل مترجم تقني. أخذ إرادة الحاكم، صاغها في شكل يمكن أن يعيش بعده.

"سعيد بن كاتب الفرغاني لم يكن منفذاً بل وسيطا تقنياً. القطائع نص سياسي مغلق؛ لذلك هدمت. الجامع بنية وظيفية مفتوحة؛ لذلك أعيد استخدامه."

الجامع لم يبقى لأنه مقدس فقط، بل لأنه قابل للاستخدام عبر العصور: صلاة، تعليم، تجمع، ترميم.

بينما القطائع، بوصفها نظاماً أمنياً، لم تحتمل إعادة التأويل. فكان مصيرها الإزالة الكاملة.

المبحث السادس: الهزيمة كإعادة كتابة

حين هزمت أسبرطة في معركة لوكترا، لم تسقط فقط عسكرياً، بل فقدت سريتها .

وحين دخل العباسيون مصر، لم يكتفوا بإسقاط الطولونيين، بل هدموا القطائع. لم يكن ذلك انتقاماً، بل إعادة كتابة للمجال.

الهدم هنا ليس تدميراً… بل تحريراً للذاكرة من رواية سابقة.

الخاتمة: القانون الذي يحكم الحجر

ما يبني كسلطة يمحى، وما يبني كوظيفة أو معنى يعاد دمجه.

أسبرطة فنيت لأنها أغلقت نفسها داخل نموذج واحد. أثينا بقيت لأنها ظلت قابلة لإعادة تعريف نفسها. القطائع مسحت لأنها كانت بياناً سياسياً مؤقتاً. أما جامع أحمد بن طولون، فقد نجا لأنه خرج من كونه رمزاً، ليصبح وظيفة مستمرة داخل حياة الناس.

التاريخ لا يحتفظ بالحجر… بل يحتفظ بما يستطيع الناس أن يعيشوا فيه.

المراجع 

أولا مراجع الانترنت

تم التحقق ابريل 2026

الكتب والمراجع 

تقي الدين المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، تحقيق: خليل المنصور، دار الكتب العلمية، بيروت، 1998.

ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1930–1972 (طبعة بولاق المحققة في عدة مجلدات).

بلوتارخ، Parallel Lives, Loeb Classical Library, Harvard University Press, Cambridge, MA, 1914–1926.

زينوفون، Constitution of the Lacedaemonians, Loeb Classical Library, Harvard University Press, Cambridge, MA, 1925.

K. A. C. Creswell, Early Muslim Architecture, Vol. I–II, Oxford University Press, Oxford, 1932–1940.

Hugh Kennedy, The Prophet and the Age of the Caliphates, 2nd edition, Routledge, London & New York, 2004.

Paul Cartledge, Sparta and Lakonia: A Regional History 1300–362 BC, Routledge, London, 2002.